عرب وعالم

الدور العراقي في حرب العاشر من رمضان.. ملحمة إنقاذ على الجبهتين السورية والمصرية

بغداد- مركز العرب
حين اندلعت حرب أكتوبر 1973 لم يكن العراق جزءًا من الخطة العملياتية المصرية السورية، لكن مع ‏اندلاع الحرب في السادس من أكتوبر غيّرت بغداد الحسابات سريعًا، فبعد ساعات من بدء العمليات، اتخذ ‏العراق قراره بالمشاركة، ولم يكتفِ بإعلان سياسي أو دعم دبلوماسي، وإنما دفع بجزء مهم من قوتها الجوية ‏والبرية إلى ساحة القتال في مصر وسوريا‎.‎
وكان الموقف العراقي امتدادًا لسياسة عربية أوسع رأت في الحرب مواجهة تتجاوز حدود الجبهتين المصرية ‏والسورية، وفي بغداد، ارتبط القرار أيضًا بحسابات تتعلق بموقع العراق داخل النظام العربي، وبالرغبة في ‏تحويل التضامن السياسي إلى مشاركة عسكرية مباشرة‎.‎
‎ ‎قرار المشاركة.. من خارج الخطة إلى قلب المعركة
بدأت المشاركة العراقية بعد اندلاع القتال، وهو ما يفسر اختلافها عن الدور المصري والسوري اللذين بُنيت ‏لهما خطط الحرب قبل أكتوبر وتشير الدراسات التاريخية إلى أن القيادة العراقية تحركت بسرعة بعد ‏اتضاح طبيعة المعركة، وأجرت اتصالات مع الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد، وأبدت ‏استعدادها لإرسال قوات جوية وبرية‎.‎
وكانت سوريا هي المستفيد الرئيسي من التعزيزات العراقية، بحكم التطورات التي شهدتها الجبهة السورية ‏في الأيام الأولى للحرب. فقد دفعت بغداد بقوات جوية إلى سوريا، ثم بدأت وحدات برية في التحرك باتجاه ‏الجبهة‎.‎

وتشير دراسة الباحث الأمريكي و. أندرو تيريل عن الدور العراقي في حرب 1973 إلى أن التدخل العراقي ‏كان أكبر من المشاركات العراقية السابقة في الحروب العربية الإسرائيلية، وشمل فرقة مدرعة وقوات مساندة ‏وأكثر من مائة طائرة‎.‎
‎ ‎الطيران العراقي على جبهتين
لم يبدأ الوجود الجوي العراقي في حرب أكتوبر من الصفر. فقد كان للعراق قبل اندلاع الحرب سرب من ‏طائرات «هنتر» موجودًا في مصر، وشارك في العمليات القتالية إلى جانب القوات الجوية المصرية، ‏وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأن الطائرات العراقية لم تكن مجرد قوة رمزية، وإنما دخلت بالفعل ‏في مهام قتالية. وتذكر مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية ‏خلال الحرب، الدور الذي أداه السرب العراقي، كما تشير إلى أن بعض الوحدات المصرية كانت تطلب ‏الدعم من «السرب العراقي»‏‎.‎
وفي سوريا، تحركت وحدات أخرى من سلاح الجو العراقي بعد بداية الحرب مباشرة. ووصلت طائرات من ‏طراز «ميج 21» في السابع من أكتوبر، ثم تبعتها وحدات من طائرات «سوخوي 7» و«ميج 17» ‏وغيرها. وكان الهدف الأساسي تعزيز القدرة الجوية السورية في مواجهة القوات الإسرائيلية التي بدأت بعد ‏المرحلة الأولى من الحرب في الانتقال إلى الهجوم المضاد‎.‎
وتشير المصادر العسكرية إلى أن الطائرات العراقية عملت بالتنسيق مع القوات الجوية السورية، ولم تدخل ‏المعركة باعتبارها قوة منفصلة ذات قيادة عملياتية مستقلة تمامًا، وكان هذا التنظيم انعكاسًا لطبيعة ‏المعركة على الجبهة السورية والحاجة إلى دمج القوات الوافدة سريعًا في منظومة القتال القائمة‎.‎
‎ ‎القوات البرية.. رحلة طويلة إلى الجبهة السورية
كان إرسال القوات البرية أكثر تعقيدًا من تحريك الطائرات. فالمسافة بين العراق والجبهة السورية تتجاوز ‏ألف كيلومتر، ونقل تشكيلات مدرعة بهذا الحجم في ظروف الحرب احتاج إلى ترتيبات لوجستية واسعة‎.‎

تحركت وحدات عراقية مدرعة ومشاة ميكانيكية وقوات خاصة ومدفعية ودفاع جوي باتجاه سوريا، وكان من ‏أبرز التشكيلات المشاركة الفرقة المدرعة الثالثة، إلى جانب وحدات أخرى وصلت تباعًا خلال الأيام ‏التالية‎.‎
وتختلف المصادر في تقدير الحجم الدقيق للقوة العراقية التي وصلت إلى الجبهة، وهو اختلاف يرتبط ‏بتوقيت القياس وبما إذا كان الرقم يشمل الوحدات القتالية والإسناد والقوات التي كانت في طريقها إلى ‏سوريا. لذلك فإن الحديث عن قوة عراقية كبيرة بحجم تشكيل مدرع مع وحدات مساندة أكثر دقة من تثبيت ‏رقم واحد باعتباره إجمالي المشاركة طوال الحرب‎.‎
وبحلول منتصف أكتوبر، أصبح الوجود العراقي عنصرًا واضحًا في المعادلة العسكرية على الجبهة ‏السورية، خصوصًا في مواجهة الهجوم الإسرائيلي المضاد على هضبة الجولان‎.‎
‎ ‎على الجولان.. إسناد الجبهة السورية
بعد نجاح القوات السورية والمصرية في تحقيق اختراقات أولية خلال الأيام الأولى، بدأت إسرائيل في ‏استعادة زمام المبادرة تدريجيًا، وتركز القتال على الجبهة السورية بصورة خاصة‎ ‎في هذه المرحلة، كان ‏وصول القوات العراقية إلى الجبهة ذا قيمة عملياتية، فقد دخلت الوحدات العراقية في القتال إلى جانب ‏القوات السورية، وساهمت في تعزيز الكتلة المدرعة العربية في الجولان وإبطاء تقدم القوات الإسرائيلية‎.‎
وتشير دراسة تيريل إلى أن التدخل العراقي كان مفيدًا للقوات العربية لأنه ساعد على تأخير التقدم ‏الإسرائيلي ومنع بعض المواقع السورية من الدخول في مدى المدفعية الإسرائيلية. لكنه في الوقت نفسه ‏يشير إلى محدودية بعض القدرات العراقية وإلى المشكلات التي واجهتها القوات القادمة من العراق في ‏الاندماج السريع في المعركة‎.‎
تظهر أهمية التمييز بين حقيقتين كثيرًا ما اختلطتا في الروايات اللاحقة: الأولى أن القوات العراقية كان لها ‏دور عسكري حقيقي ومؤثر على الجبهة السورية؛ والثانية أن القول بأن العراق «أنقذ دمشق» بالمعنى ‏الحرفي يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ‎.‎

بعض الروايات العراقية والعربية قدمت المشاركة العراقية باعتبارها العامل الذي حال دون سقوط دمشق، ‏بينما ترى دراسات عسكرية غربية أن إسرائيل لم تكن تتعامل مع احتلال دمشق باعتباره هدفًا حاسمًا من ‏أهداف الحرب. وبالتالي فإن الأدق تاريخيًا القول إن القوات العراقية ساهمت في تعزيز الدفاع السوري ‏وإبطاء التقدم الإسرائيلي، وليس اختزال الدور كله في مقولة «إنقاذ دمشق‎».‎
‎ ‎لماذا كانت المشاركة العراقية مهمة؟
تكمن أهمية الدور العراقي في سرعة الانتقال من الموقف السياسي إلى المشاركة العسكرية. فالعراق لم يكن ‏طرفًا في التخطيط العملياتي الأصلي للحرب، ومع ذلك استطاع خلال فترة قصيرة نسبيًا أن يدفع بطائرات ‏إلى الجبهة السورية، وأن يحرك قوات برية لمسافة طويلة، وأن يدخل وحداته في المعركة في وقت كانت ‏فيه سوريا تواجه ضغطًا عسكريًا متزايدًا‎.‎
كما أن المشاركة العراقية اتخذت شكلًا متعدد المستويات. ففي مصر ظهر الدور من خلال السرب العراقي ‏الذي شارك في العمليات الجوية، بينما تركزت المشاركة الأكبر في سوريا عبر الطيران والقوات المدرعة ‏والوحدات المساندة‎.‎
وهذا التوزيع يعكس طبيعة الاحتياجات العسكرية على الجبهتين. فمصر كانت تخوض معركة عبور ‏وتأمين رؤوس كباري شرق قناة السويس، بينما كانت سوريا تواجه خطر فقدان مواقعها في الجولان والضغط ‏المتزايد على خطوطها الدفاعية‎.‎
‎ ‎النفط.. جبهة أخرى للمواجهة
لم تتوقف المشاركة العراقية عند المجال العسكري. ففي الجانب الاقتصادي، اتخذت بغداد موقفًا نفطيًا لافتًا ‏خلال الحرب‎ ‎وفي أكتوبر 1973، قامت الحكومة العراقية بتأميم المصالح الأمريكية في شركة بترول ‏البصرة‎ «Basrah Petroleum Company»‎، التي كانت تضم حصصًا لشركتي «إكسون» ‏و«موبيل». ووثقت وثائق وزارة الخارجية الأمريكية القرار العراقي وربطته بالظروف السياسية التي صاحبت ‏الحرب وبالموقف العراقي من الولايات المتحدة ودعمها لإسرائيل‎.‎

لكن وضع هذه الخطوة في سياقها التاريخي مهم؛ فالعراق كان قد بدأ بالفعل عملية واسعة لتأميم قطاع ‏النفط، وكانت عملية تأميم أصول شركة نفط العراق‎ «IPC» ‎قد بدأت في 1972. ومن ثم فإن قرار ‏‏1973 لم يكن حدثًا منفصلًا تمامًا، لكنه اكتسب دلالة سياسية أكبر بسبب توقيته وارتباطه المباشر بأجواء ‏الحرب‎.‎
وفي الإطار العربي الأوسع، تزامنت الحرب مع استخدام النفط كأداة ضغط سياسي واقتصادي، وصولًا إلى ‏قرارات الدول العربية المنتجة للنفط بخفض الإنتاج وفرض قيود على صادراتها إلى الدول الداعمة لإسرائيل‎.‎
مشاركة عسكرية لم تخلُ من القيود
رغم حجم المشاركة العراقية، فإن تقييمها يحتاج إلى الابتعاد عن الروايات الاحتفالية. فالقوات العراقية ‏واجهت مشكلات لوجستية مرتبطة بالمسافة الطويلة، كما أن انتقال وحدات مدرعة إلى مسرح عمليات لم ‏تكن جزءًا من تخطيطه الأصلي فرض تحديات تتعلق بالاتصال والقيادة والتنسيق‎ ‎كذلك لم تكن القوات ‏العراقية تعمل في فراغ، وإنما ضمن منظومة عسكرية سورية تتعرض لضغوط شديدة. ولذلك فإن تأثيرها ‏يجب أن يقاس بما أضافته إلى القدرة العربية على الصمود والقتال في مرحلة الهجوم الإسرائيلي المضاد، ‏وليس باعتبارها قوة منفردة حسمت مسار الجبهة‎.‎
ومع ذلك، فإن وصول القوات العراقية في هذا التوقيت كان يعني أن إسرائيل لم تواجه القوات السورية ‏وحدها، وإنما وجدت أمامها تشكيلات عربية إضافية دخلت المعركة على الجولان، وهو ما زاد من صعوبة ‏تحقيق تقدم سريع ومستقر‎.‎
‎ ‎بين السلاح والموقف السياسي
تكشف تجربة العراق في حرب أكتوبر عن نموذج مختلف للمشاركة العربية. فبغداد لم تملك فرصة ‏المشاركة في التخطيط الأولي للعملية العسكرية، لكنها حولت موقفها السياسي إلى تحرك عسكري خلال ‏أيام قليلة‎.‎

طائرات عراقية قاتلت في مصر، وقوات جوية ومدرعة كبيرة اتجهت إلى سوريا، بينما تحركت بغداد على ‏الجبهة الاقتصادية والنفطية في مواجهة المصالح الأمريكية. وبذلك لم يكن الدور العراقي مجرد إرسال قوة ‏رمزية إلى ساحة القتال، وإنما مشاركة متعددة الأبعاد جمعت بين السلاح والدعم السياسي والسياسة ‏النفطية‎.‎
وفي النهاية، يصعب اختزال الدور العراقي في رقم واحد أو معركة واحدة. فالمشاركة كانت عملية متدرجة ‏بدأت بقرار سياسي سريع، ثم تحولت إلى إسناد جوي لمصر وسوريا، وإلى تدخل بري مباشر على الجبهة ‏السورية، بالتوازي مع خطوات اقتصادية وسياسية ارتبطت بالحرب‎.‎

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى