مقالات

مجدى طنطاوى يكتب حين يصبح الخطأ الشائع دينا والصواب النادر غريبا

حتى في الدين أصبحنا نحتكم أحيانا إلى قاعدة خطيرة تقول إن «الخطأ الشائع خير من الصواب النادر» وكأن كثرة القائلين بالشيء تمنحه صك الصواب وكأن اعتياد الناس على فكرة يجعلها حقيقة وكأن ما ورثناه وتكرر أمامنا عشرات السنين أصبح أحق بالاتباع من كتاب الله والسؤال هنا ليس هل نجحنا في ذلك وإنما هل نجحنا في الوصول إلى الحق أصلا فلو كانت الكثرة معيارا للصواب لما قال الله تعالى «وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله» الأنعام 116 فالقرآن لا يجعل الأكثرية دليلا على الحق ولا يجعل شيوع الفكرة برهانا على صحتها بل يحذر من أن تتحول الكثرة إلى مصدر للتضليل والأخطر أن الخطأ حين يطول عمره يتحول في الوعي الجمعي إلى شيء يشبه المقدس ثم يصبح من يحاول مراجعته هو المخطئ لا الفكرة التي تحتاج إلى مراجعة وهكذا قد يصبح الصواب غريبا فقط لأنه لم يجد من يردده بالعدد نفسه الذي يردد به الخطأ والدين في جوهره ليس مسابقة جماهيرية ولا تصويتا شعبيا ولا ميراثا اجتماعيا نتعامل معه بمنطق «هكذا وجدنا آباءنا» لقد وضع القرآن معيارا واضحا للحق فقال تعالى «فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ» يونس 32 فالحق لا يصبح حقا لأن الناس اتفقوا عليه والباطل لا يصبح حقا لأن الناس اعتادوه والمشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان فكل إنسان معرض للخطأ وإنما المشكلة أن يتحول الخطأ إلى منظومة تحمي نفسها من السؤال وتعتبر مجرد الاقتراب منها تعديا على الدين وحين يحدث ذلك يصبح السؤال جريمة ويصبح التفكير تمردا وتصبح مراجعة الموروث خروجا عن الجماعة مع أن القرآن نفسه يفتح أبواب التفكير والتدبر والنظر ويقول «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» محمد 24 لقد آن لنا أن نسأل أنفسنا بصدق هل نحن نبحث عن الحق أم نبحث عما يوافق ما اعتدنا عليه هل نزن الأفكار بالقرآن أم نزن القرآن بما استقر في عقولنا من أفكار هل نخاف من أن نكتشف أننا أخطأنا أم نخاف من أن يعرف الناس أننا اكتشفنا الخطأ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين أن يصبح المألوف أقوى من الدليل وأن يصبح عدد المؤمنين بفكرة أهم من حقيقة الفكرة نفسها فالصواب لا يحتاج إلى جمهور حتى يكون صوابا والخطأ لا يصبح صوابا إذا صفقت له الملايين وقد يكون الصواب نادرا بالفعل لكن ندرته لا تنتقص منه شيئا فالله يقول «وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» سبأ 13 ويقول «وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ» البقرة 249 المعيار إذن ليس كم شخصا يقول وإنما ماذا يقول الدليل وليس السؤال كم ورثنا وإنما ماذا وافق كتاب الله وليس المهم أن نكون مع الأكثرية وإنما أن نكون مع الحق أما قاعدة «الخطأ الشائع خير من الصواب النادر» فقد تكون نافعة في بعض شؤون الحياة حين نتحدث عن أعراف اجتماعية أو حلول عملية مؤقتة لكنها تصبح كارثة حين نجعلها ميزانا للحقيقة الدينية لأن الدين لا يقوم على شعبية الخطأ وإنما على هداية الحق وإذا كان الصواب قد أصبح غريبا بيننا فالمشكلة ليست في الصواب المشكلة أننا اعتدنا الخطأ حتى أصبح هو الطبيعي وأصبح الصواب هو الغريب وهنا لا بد أن نسأل السؤال الأصعب هل نجحنا فعلا حين جعلنا شيوع الفكرة دليلا على صحتها أم أننا نجحنا فقط في جعل الخطأ أكثر انتشارا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى