د . احمد الشريف يكتب . . الحياة مسرح كبير. . وكل إنسان يؤدي دورًا!

نحن نعيش في مسرح كبير، تتعدد فيه الأدوار وتتداخل فيه الشخصيات ويقف كل إنسان على خشبة الحياة مؤديًا دورًا أو أدوارًا مختلفة. لكن المفارقة ليست في اختلاف الأدوار بل في اختلاف وعي الإنسان بالدور الذي يؤديه.
فمن الناس من يؤدي دوره وهو مقتنع تمامًا بأنه الحقيقة ومنهم من يتقمص الشخصية حتى ينسى حقيقته ومنهم من يدرك أنه يمثل لكنه يستمر في التمثيل لتحقيق غاية أو مصلحة ومنهم من يعرف حقيقة المشهد كله لكنه يظل جزءًا منه بحكم الظروف أو المسؤوليات.
والأخطر من ذلك أن يتحول التمثيل إلى أسلوب حياة فيصبح الإنسان كأنه مسؤول وكأنه قائد وكأنه خبير وكأنه صاحب رسالة وكأنه يعمل من أجل الناس بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا عما يظهره للآخرين.
هناك فرق كبير بين أن تكون وأن تبدو وأن تتظاهر بأنك تكون.
* أن تكون: يعني أن تمتلك حقيقة الصفة وأن تعبر عنها بسلوكك وأفعالك ونتائج عملك.
* أن تبدو: يعني أن تظهر للناس بصورة معينة وقد تكون هذه الصورة حقيقية أو غير مكتملة.
* أن تتظاهر بأنك تكون: يعني أن تصنع لنفسك صورة لا تستند بالضرورة إلى حقيقة وأن تراهن على المظهر بدلًا من الجوهر.
وفي الحياة العملية قد تجد من يتصرف كأنه يعمل لكنه لا ينتج. ومن يتحدث كأنه قائد لكنه لا يتحمل المسؤولية. ومن يظهر كأنه صاحب مبادئ لكنه يتخلى عنها عندما تتعارض مع مصالحه. ومن يرتدي ثوب الحكمة لكنه لا يحسن اتخاذ القرار.
وقد نجد إنسانًا يبدأ حياته مؤديًا دورًا مؤقتًا ثم يعتاد الدور ثم يصدقه ثم يصبح أسيرًا له حتى يعجز عن التمييز بين شخصيته الحقيقية والصورة التي صنعها لنفسه.
وهنا تظهر خطورة أن يعيش الإنسان داخل وهم صنعه بيديه أو أن يشارك في صناعة أوهام الآخرين.
لكن الإنصاف يقتضي أن نميز بين من يتعلم دورًا جديدًا استعدادًا لتحمل مسؤولية ومن يتظاهر بامتلاك قدرات لا يملكها. فالأول يسعى إلى أن يصبح والثاني يريد أن يبدو.
وهذه هي المسافة بين التطور الحقيقي والخداع وبين الطموح المشروع وادعاء ما ليس في الإنسان.
وإذا انتقلنا من الفرد إلى المؤسسات والمجتمعات وجدنا أن المشهد يتكرر بصورة أكبر. فقد تتحول بعض المناصب إلى أدوار شكلية وبعض الاجتماعات إلى مشاهد محفوظة وبعض الخطط إلى أوراق جميلة بلا تنفيذ وبعض الشعارات إلى ستائر تخفي غياب العمل والنتائج.
لذلك لا ينبغي أن نحكم على الناس بما يقولون عن أنفسهم بل بما يقدمونه من أعمال ولا على المؤسسات بما تعلنه من أهداف بل بما تحققه من نتائج ولا على القادة بما يرتدونه من ألقاب بل بما يتحملونه من مسؤوليات وما يتركونه من أثر.
وفي النهاية لكل إنسان أن يسأل نفسه:
هل أعيش حقيقتي أم أؤدي دورًا رسمته لنفسي؟
هل أعمل فعلًا أم أكتفي بأن أبدو عاملًا؟
هل أقود أم أكتفي بمظهر القيادة؟
هل أقدم قيمة حقيقية أم أجيد تسويق صورتي؟
وهل أنا صاحب رسالة أم مجرد ممثل يجيد إلقاء كلمات الرسالة؟
الخلاصة:
الحياة قد تكون مسرحًا كبيرًا لكن المشكلة ليست في تعدد الأدوار. فكل إنسان يؤدي أدوارًا مختلفة في أسرته وعمله ومجتمعه. المشكلة أن نفقد الصدق وأن نخلط بين الدور والحقيقة وبين المنصب والقيمة وبين الصورة والإنجاز.
فلا تجعل حياتك مجرد تمثيل ولا تنشغل بإقناع الناس بأنك شيء. بقدر ما تنشغل بأن تكون هذا الشيء بالفعل.
فالأدوار تنتهي والأقنعة تسقط ويبقى ما كنت عليه حقًا وما قدمته فعلًا والأثر الذي تركته في حياة الآخرين.



