مقالات

د. عقيل فائق السعود‎ ‎ يكتب.. إشكالية الهوية في العمارة الإسلامية

في زمن تتشابه فيه المدن، وتتكرر الواجهات والمباني والمواد واللغات البصرية من مكان إلى ‏آخر، يبرز سؤال ملح أمام العمارة في المجتمعات الإسلامية: أين تكمن هويتنا المعمارية؟‎


هل تكفي القباب والأقواس والزخارف الهندسية والمشربيات لكي نمنح المبنى صفة (الإسلامية)؟ أم ‏أن الهوية المعمارية أعمق من ذلك بكثير، وأنها تتصل بالإنسان والمكان والذاكرة والمناخ والعادات ‏والقيم وطريقة تنظيم الحياة داخل الفضاء؟
لقد نجحت العمارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل في إنتاج تجارب معمارية شديدة التنوع، من ‏دمشق وبغداد إلى القاهرة وقرطبة وإسطنبول وأصفهان، دون أن تكون أسيرة نموذج شكلي واحد. ‏وهذا التنوع يكشف حقيقة أساسية مفادها أن قوة العمارة الإسلامية لم تكن في تكرار الأشكال، وإنما ‏في قدرتها على التفاعل مع المكان والثقافة والبيئة وتحويل القيم إلى فضاءات معمارية قابلة ‏للحياة‎.
غير أن العمارة المعاصرة تقف اليوم أمام تحدٍّ أكثر تعقيداً؛ فالتكنولوجيا والعولمة وسرعة انتقال ‏الأفكار والمواد جعلت المدن أكثر انفتاحاً، لكنها في الوقت نفسه جعلت كثيراَ من المشاهد ‏العمرانية متشابهة إلى حد يصعب معه أحياناَ تمييز خصوصية المكان. وفي الجهة المقابلة، فإن ‏العودة السطحية إلى الأشكال التراثية قد تنتج عمارة تستحضر الماضي بصرياً، لكنها لا تحمل ‏بالضرورة روحه أو قيمه أو منطقه البيئي والاجتماعي‎.‎
من هنا، فإن إشكالية الهوية في العمارة الإسلامية ليست سؤالاً عن شكل المبنى بقدر ما هي سؤال ‏عن علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل: كيف نحافظ على الذاكرة دون أن نتحول إلى أسرى ‏لها؟ وكيف نستفيد من الحداثة والتكنولوجيا دون أن نفقد خصوصية المكان؟ وهل يمكن إنتاج ‏عمارة معاصرة تحمل هوية إسلامية حقيقية من دون أن تنسخ التاريخ؟
هذه الأسئلة تفتح الباب أمام قراءة مختلفة للهوية المعمارية، قراءة لا تبحث عن (شكل إسلامي) ‏جاهز، وإنما عن مبادئ وقيم يمكن إعادة تفسيرها في سياق معاصر. ومن هنا تأتي أهمية إعادة ‏التفكير في مفهوم الهوية، ليس بوصفها حالة ثابتة، بل باعتبارها مشروعاَ متجدداَ يتشكل من ‏الحوار المستمر بين الإنسان والمكان والثقافة والزمن‎.‎

أولاً: مفهوم الهوية في العمارة‏
الهوية مفهوم مركب، فهي لا تعني مجرد مجموعة من الصفات المرئية، وإنما تشير إلى منظومة ‏من القيم والعلاقات والرموز التي تمنح الشيء خصوصيته وتميزه عن غيره. وعندما يطرح مفهوم ‏الهوية في العمارة، فإن المقصود لا يقتصر على هيئة المبنى، بل يشمل علاقته بالمجتمع والمكان ‏والزمان والبيئة والثقافة‎.‎
وبهذا المعنى، فإن هوية العمارة تتكون من تفاعل مجموعة من العناصر، منها التاريخ، والمناخ، ‏والعادات الاجتماعية، والمواد المحلية، وأساليب البناء، وطبيعة الحياة اليومية، إضافة إلى القيم ‏الجمالية والثقافية التي يحملها المجتمع‎.‎
من الخطأ النظر إلى الهوية المعمارية باعتبارها قالباَ جاهزاَ يمكن نسخه وإعادة إنتاجه في أي ‏مكان. فالهوية الحقيقية تتشكل من قدرة العمارة على التعبير عن خصوصية المكان والمجتمع، مع ‏قدرتها في الوقت نفسه على الاستجابة للتغيرات الحضارية والتكنولوجية‎.‎

ثانياً: هل توجد هوية واحدة للعمارة الإسلامية؟‏
من أكثر الإشكالات أهمية في هذا الموضوع التساؤل عن معنى (الإسلامية) في العمارة. فإذا ‏كانت الحضارة الإسلامية قد امتدت عبر مناطق جغرافية وثقافية واسعة، فمن الصعب اعتبار ‏العناصر المعمارية التي ظهرت في منطقة معينة خصائص ثابتة لجميع العمارة الإسلامية‎.
فالعمارة الإسلامية في المغرب العربي تحمل تأثيرات مختلفة عن العمارة في المشرق، والعمارة ‏العثمانية تختلف عن العمارة الفارسية والهندية، ومع ذلك تشترك هذه التجارب في منظومة ‏حضارية واسعة تشكلت ضمن السياق الإسلامي‎.‎
وهنا يمكن القول إن هوية العمارة الإسلامية ليست هوية شكلية موحدة، وإنما هي هوية متعددة ‏المستويات. فهي قد تظهر في تنظيم الفضاء، وفي العلاقة بين العام والخاص، وفي معالجة ‏الضوء والظل، وفي الاهتمام بالفناء الداخلي، وفي تحقيق التوازن بين الوظيفة والجمال، وفي ‏الاستجابة للمناخ والخصوصية الاجتماعية، وليس بالضرورة في وجود عنصر زخرفي محدد‎.
وبالتالي فإن محاولة اختزال العمارة الإسلامية في القبة أو القوس أو المئذنة أو الزخرفة الهندسية ‏تؤدي إلى تضييق مفهوم الهوية وتحويلها من مفهوم ثقافي حي إلى مجموعة من الرموز البصرية‎.‎
ثالثاً: التراث بين الاستلهام والتقليد‏
يمثل التراث أحد أهم مصادر الهوية المعمارية، إلا أن العلاقة معه تظل إشكالية. فهناك فرق ‏واضح بين استلهام التراث وبين تقليده.‏
فالاستلهام يعني فهم المبادئ التي أنتجت العمارة التقليدية وإعادة صياغتها بما يتناسب مع ‏متطلبات العصر. أما التقليد فيتمثل في إعادة إنتاج الأشكال القديمة بصورة مباشرة، حتى عندما لا ‏تكون هذه الأشكال مرتبطة بالوظيفة أو المناخ أو المجتمع المعاصر‎.‎
فعلى سبيل المثال، يمكن للمعماري أن يستلهم فكرة الفناء الداخلي باعتبارها وسيلة لتحقيق ‏الخصوصية والتهوية والإضاءة، دون أن يقوم بنسخ فناء تاريخي بكل تفاصيله. كما يمكنه أن يعيد ‏تفسير المشربية من خلال تقنيات حديثة للتحكم بالضوء والحرارة، بدل استخدامها كعنصر زخرفي ‏منفصل عن وظيفته‎.‎‏ ومن هنا تصبح قيمة التراث في قدرته على إنتاج أفكار قابلة للتجدد، وليس ‏في كونه مجموعة من الأشكال التي يجب تكرارها.‏
رابعاً: الحداثة وأزمة الهوية
أدت الحداثة إلى تحولات عميقة في العمارة العالمية، وأسهم انتشار التقنيات والمواد الحديثة في ‏ظهور لغة معمارية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية‎.‎
وقد أتاح ذلك للمدن الإسلامية إمكانات واسعة في التطور العمراني، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى ‏ظهور مشكلة التشابه بين المدن‎.‎
فقد أصبحت بعض الأبنية المعاصرة تبدو متشابهة بصرياً، بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو ‏مناخها أو تاريخها. ويصبح المبنى في هذه الحالة منفصلاً عن سياقه، وكأنه يمكن نقله من مدينة ‏إلى أخرى دون أن يتغير معناه‎.‎
وهنا تظهر أزمة الهوية: كيف يمكن للعمارة أن تكون معاصرة دون أن تفقد خصوصيتها؟ وكيف ‏يمكن استخدام التكنولوجيا الحديثة دون إنتاج عمارة مستنسخة؟ وكيف يمكن المحافظة على الصلة ‏بالتراث دون الوقوع في التقليد؟
إن الإجابة لا تكمن في رفض الحداثة، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءاَ أساسياً من الحياة المعاصرة، ‏وإنما في إعادة توظيفها بما يتلاءم مع خصوصية المكان. فالحداثة لا تتعارض بالضرورة مع ‏الهوية، وإنما المشكلة تظهر عندما تتحول الحداثة إلى نموذج عالمي جاهز يُطبّق دون قراءة ‏للسياق المحلي‎.‎

خامساَ: الهوية والمناخ والبيئة‏
يُعد المناخ من العوامل التي أسهمت تاريخياً في تشكيل الكثير من الخصائص المعمارية في ‏المدن الإسلامية. فقد ظهرت حلول معمارية مختلفة للتعامل مع الحرارة والضوء والتهوية، مثل ‏الأفنية الداخلية، والممرات المظللة، والجدران السميكة، والمشربيات، وتنظيم الفتحات، وغيرها‎.‎
وهذه العناصر لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد أشكال تراثية، وإنما باعتبارها حلولاً نشأت نتيجة ‏علاقة مباشرة بين الإنسان والبيئة‎.‎
ومن هنا فإن استعادة الهوية المعمارية يمكن أن تتم من خلال إعادة التفكير في هذه المبادئ ‏باستخدام التقنيات الحديثة. فبدل إعادة إنتاج المشربية بصورتها التقليدية، يمكن تطوير واجهات ‏معاصرة تحقق التحكم بالإشعاع الشمسي والتهوية. وبدل نسخ الفناء التقليدي، يمكن تطوير ‏فضاءات داخلية وخارجية تستجيب للمناخ المعاصر وتوفر الراحة البيئية‎.‎‏ وبذلك تصبح البيئة جزءاً ‏من الهوية، وليس مجرد عامل تقني ثانوي‎.‎

سادساً: الهوية بين المحلي والعالمي
تعيش العمارة المعاصرة ضمن فضاء عالمي مفتوح، تتبادل فيه الأفكار والتقنيات والصور بسرعة ‏كبيرة. وهذا الانفتاح يمكن أن يكون مصدراً للإبداع، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تراجع الخصوصية ‏المحلية إذا لم يكن هناك وعي بالسياق‎.‎
ولا تعني الهوية المعمارية الانغلاق أمام التأثيرات العالمية، فالعمارة الإسلامية نفسها نشأت تاريخياً ‏نتيجة التفاعل بين ثقافات وحضارات متعددة. لكن الفرق يكمن في طبيعة هذا التفاعل: ‏
هل نحن أمام عملية أخذ واستنساخ، أم أمام عملية حوار وإعادة صياغة؟
فالعمارة التي تمتلك هوية قوية ليست تلك التي ترفض كل ما هو عالمي، وإنما تلك التي تستطيع ‏استيعاب المؤثرات الجديدة وتحويلها إلى إنتاج يتناسب مع ثقافتها وبيئتها‎.‎
سابعاً: نحو فهم جديد للهوية الإسلامية في العمارة‏
يمكن تجاوز أزمة الهوية من خلال الانتقال من التفكير في (شكل العمارة الإسلامية) إلى التفكير ‏في (مبادئ العمارة في السياق الإسلامي). وهذا التحول مهم لأنه يفتح المجال أمام إبداع معماري ‏معاصر لا يحتاج إلى نسخ الماضي حتى يكون مرتبطاً به‎.‎
فالهوية يمكن أن تتجسد في احترام الخصوصية، وفي تنظيم العلاقة بين الفضاءات العامة ‏والخاصة، وفي الاستجابة للمناخ، وفي استخدام الضوء بطريقة واعية، وفي توظيف المواد المحلية ‏أو تطويرها، وفي خلق علاقة متوازنة بين المبنى والمدينة، وفي المحافظة على الذاكرة المكانية‎.
وبذلك يمكن للعمارة المعاصرة أن تكون جديدة في شكلها، لكنها متصلة بثقافتها في مضمونها ‏ومنهجها‎.

الخاتمة‎
إن إشكالية الهوية في العمارة الإسلامية ليست مشكلة تتعلق بغياب القباب أو الأقواس أو ‏الزخارف، وإنما هي مشكلة أعمق ترتبط بكيفية فهم العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين المحلي ‏والعالمي، وبين الثقافة والتكنولوجيا‎.‎
فالهوية المعمارية لا يمكن فرضها من خلال استعارة مجموعة من الرموز التراثية، كما لا يمكن ‏الحفاظ عليها من خلال رفض التطور والحداثة. وإنما تتشكل الهوية عندما تستطيع العمارة أن ‏تعبر عن مجتمعها ومكانها وبيئتها، وأن تستفيد في الوقت ذاته من إمكانات العصر‎.‎
وعليه، فإن مستقبل العمارة الإسلامية لا ينبغي أن يكون بحثاً عن شكل تاريخي ثابت، بل بحثاً ‏عن منهج قادر على تحويل القيم والمبادئ المتراكمة في التراث إلى حلول معاصرة. فالعمارة ذات ‏الهوية ليست التي تشبه الماضي، بل التي تفهم الماضي وتعيش الحاضر وتستشرف المستقبل‎.‎
ومن هذا المنطلق، تصبح الهوية مشروعاً متجدداً لا حالة ثابتة، وتصبح العمارة الإسلامية قادرة ‏على الاستمرار بوصفها تجربة حضارية متحركة، لا مجرد مجموعة من الأشكال التي تنتمي إلى ‏زمن مضى‎.‎

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى