مقالات

د. معتز صلاح الدين يكتب: درس أكتوبر.. عندما توحد العرب تغيرت موازين القوة

هناك دروس في التاريخ لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكريات نحتفل بها كل عام، وإنما يجب أن تظل حاضرة في وعي الأجيال، لأنها تكشف بوضوح أن قوة الأمة لا تكمن فقط في حجم جيوشها، أو ما تملكه من ثروات، وإنما في قدرتها على توحيد إرادتها عندما تواجه خطرًا يمس أمنها وكرامتها ومصالحها.
ومن أبرز هذه الدروس ما جرى في حرب أكتوبر عام 1973، عندما استطاعت الدول العربية، رغم اختلاف ظروفها ومواقفها في قضايا عديدة، أن تلتقي حول موقف واحد دعمًا لمصر وسوريا في معركة استعادة الأراضي العربية المحتلة.
ففي السادس من أكتوبر 1973، بدأت مصر حربًا لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وحققت القوات المصرية في الأيام الأولى من الحرب تقدمًا عسكريًا مهمًا ومدويًا، ومع تطور المعارك وتصاعد الدعم الأمريكي لإسرائيل، أدركت الدول العربية أن المعركة لا تقتصر على الميدان العسكري، وأن لدى الأمة العربية أوراق قوة أخرى تستطيع استخدامها دفاعًا عن قضيتها.
وهنا ظهر واحد من أهم الدروس التي سجلها التاريخ العربي: الثروة عندما تتوافر معها الإرادة السياسية يمكن أن تتحول إلى قوة مؤثرة في العلاقات الدولية.
وكان النفط في ذلك الوقت من أهم أوراق القوة العربية.
في قلب هذا المشهد برز موقف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي عبّر بوضوح عن أن ثروات العرب لا يمكن أن تكون أغلى من دماء أبنائهم.
وترتبط بموقفه خلال حرب أكتوبر عبارته التاريخية الشهيرة:
«النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».
وقد وثقت مصادر إماراتية هذه العبارة باعتبارها تعبيرًا عن موقف الشيخ زايد خلال حرب أكتوبر، كما وردت في مصادر تاريخية وصحفية بصيغ متقاربة، وقد كشف المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي الذي شغل منصب رئيس ديوان الرئاسة في عهد الشيخ زايد بالتفصيل هذا الموقف العظيم للشيخ زايد الذي كان سباقًا في هذا القرار.
ولم يكن موقف الشيخ زايد وليد لحظة عابرة؛ فقد سبق الحرب، وأكد في أغسطس 1973 أنه إذا قرر العرب قطع النفط عن الولايات المتحدة فإنه سيفعل الشيء نفسه، مؤكدًا أن التضامن العربي أهم من النفط، وبالفعل كان أول من أعلن هذا القرار أثناء الحرب. وبعد اندلاع الحرب، أصبح هذا الموقف جزءًا من سياسة عربية أوسع.
وهنا تكمن عظمة الدرس: لم يكن النفط في تلك اللحظة مجرد سلعة تباع وتشترى، وإنما أصبح أداة من أدوات السياسة العربية الجماعية.
لقد شاركت عدة دول عربية منتجة للنفط في تلك السياسة عقب قرار الإمارات العربية المتحدة، ومن بينها السعودية والكويت والجزائر وقطر والإمارات والعراق، بينما اتخذت الإجراءات الجماعية عبر منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك».
ولم يكن أثر القرار رمزيًا؛ فقد أدت تخفيضات الإنتاج والحظر إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وارتفعت أسعار النفط بصورة حادة، وواجهت دول غربية نقصًا في الوقود وأزمات اقتصادية، وأصبحت قضية الشرق الأوسط مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الطاقة العالمي. وتوثق وثائق أمريكية رسمية آنذاك أن استخدام النفط كأداة سياسية أحدث تأثيرًا قويًا وفوريًا في الدول المستهلكة.
وهكذا أدرك العالم أن العرب، عندما تتوحد إرادتهم، لا يمكن التعامل معهم باعتبارهم دولًا منفردة بلا تأثير جماعي.
ولعل أهم ما ينبغي أن نتعلمه من حرب أكتوبر ليس فقط تفاصيل المعركة العسكرية، ولا قصة عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، وإنما ذلك المشهد العربي الذي تكاملت فيه عناصر القوة.
مقاتل مصري في الجبهة.
ودول عربية تقدم الدعم.
ودول منتجة للنفط تستخدم إحدى أهم أوراق القوة التي تمتلكها.
وقادة عرب يدركون أن المعركة لا يمكن أن تكون مسؤولية دولة فقط، وأن التضامن السياسي والاقتصادي يمكن أن يكون له أثر بالغ في مسار الصراع.
لقد أثبتت تجربة أكتوبر أن الخلافات بين الدول العربية لا تعني بالضرورة العجز عن الاتفاق عندما تكون هناك قضية جامعة ومصلحة مشتركة.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة.
فالعالم لا يحترم فقط من يمتلك الثروة، وإنما يحترم من يعرف كيف يحافظ على مصالحه، وكيف يستخدم قدراته، وكيف يحول موارده إلى قوة تفاوضية وسياسية واقتصادية.
لقد اختصر الشيخ زايد رحمه الله فلسفة كاملة في عبارة قصيرة: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».
كانت العبارة في ظاهرها حديثًا عن النفط، لكنها في مضمونها كانت تتحدث عن مفهوم أوسع: أن الثروة وسيلة وليست غاية، وأن الإنسان وقضايا الأمة تأتي قبل الحسابات المادية الضيقة.
وهذا ما جعل موقفه في حرب أكتوبر حاضرًا في الذاكرة العربية حتى اليوم.
فالشيخ زايد لم ينظر إلى النفط باعتباره مجرد مورد اقتصادي، وإنما أدرك أن امتلاك العرب لهذه الثروة يمنحهم ورقة قوة، وأن التضامن بين الدول العربية يمكن أن يجعل لهذه الورقة تأثيرًا يتجاوز حدود الاقتصاد.
إن استدعاء حرب أكتوبر اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بانتصار عسكري تحقق قبل أكثر من نصف قرن.
بل إنها مناسبة للتأمل في معنى الإرادة والوحدة والتكامل العربي.
لقد أثبتت تلك الحرب أن الجيوش تستطيع أن تقاتل في الميدان، وأن الاقتصاد يستطيع أن يدعم المعركة، وأن السياسة تستطيع أن تحشد المواقف، وأن الثروة تستطيع أن تتحول إلى قوة عندما تتوافر الإرادة.
والدرس البليغ الذي تركته أكتوبر هو أن العرب عندما توحدوا حول هدف واضح استطاعوا أن يغيروا معادلات كانت تبدو ثابتة.
ومن هنا تبقى حرب أكتوبر مدرسة في الإرادة، ويبقى موقف الشيخ زايد أحد أبرز رموز التضامن العربي فيها، وتبقى عبارته الخالدة شاهدًا على مرحلة أدرك فيها العرب أن ثرواتهم لا ينبغي أن تكون منفصلة عن قضاياهم ومصالحهم.
إنها رسالة أكتوبر التي لا ينبغي أن ننساها:
حين تتوحد الإرادة العربية، تتحول الإمكانات المتفرقة إلى قوة، ويتحول التضامن من كلمة إلى فعل، ويصبح للأمة صوت يسمعه العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى