مقالات

مجدى طنطاوى يكتب الوطن لا ينهض بالأهل وإنما بالأهلية

يا بني….
خطط قبل أن تتحمس
ونظم قبل أن تبدأ
وازن بين العاطفة والعقل
فالأوطان لا تبنى بالنوايا وحدها وإنما تبنى حين يصبح العدل هو القانون والكفاءة هي الطريق والأمانة هي المعيار
إن أخطر ما يصيب الأوطان ليس الفقر ولا قلة الموارد وإنما أن تتحول المحسوبية والواسطة والشللية إلى ثقافة عامة حتى يصبح الانتماء للأشخاص أقوى من الانتماء للوطن
عندها يفقد المجتهد الأمل ويعتاد الكسول المكافأة ويصبح النجاح امتيازا يمنح لا استحقاقا ينال
وحين يقدم أهل الثقة على أهل الكفاءة لا يعود الوطن يسير على قدميه بل يمشي أعرج بعين واحدة يرى من يشبهه ولا يرى من يحتاج إليه
والأوطان التي لا ترى إلا فريقا واحدا لا تستطيع أن ترى المستقبل
فالوطن ليس ملكا لجماعة ولا لحزب ولا لعائلة ولا لدائرة مصالح
الوطن أكبر من الجميع
وكل من يظن أنه يستطيع أن يحتكره يبدأ من حيث يظن القوة وينتهي إلى حيث تبدأ الهزيمة
ولنا في تجربة جماعة الإخوان المسلمين عبرة سياسية يراها كثير من المحللين فقد أدى تغليب الولاء التنظيمي على بناء توافق وطني واسع إلى تعميق الانقسام وفقدان الثقة لدى قطاعات من المجتمع وهو ما أسهم في سقوط تجربتهم في الحكم
فالذي ينشغل بتوسيع ذاته أكثر من انشغاله بتوسيع مساحة الوطن إنما يحفر بيده فجوة بينه وبين الناس
والأنا حين تتضخم تبتلع العقل
وحين يصبح الانتصار للنفس أهم من الانتصار للوطن تتحول الرسالة إلى مصلحة ويتحول الفكر إلى وسيلة للهيمنة لا للبناء
إن التاريخ لا يخلد من جمع الأتباع
بل يخلد من جمع القلوب حول وطن يتسع للجميع
ما أقسى أن يردد الإنسان كل صباح أنه يحب وطنه ثم تكشف قراراته أنه لا يحب إلا نفسه
وما أشد مرارة أن يصبح الوطن مجرد كلمة جميلة في الخطب بينما يتحول في الواقع إلى ساحة لتبادل المصالح وتقاسم النفوذ وإقصاء الأكفاء

يا بني…
إذا أردت أن تعرف مقدار حب الإنسان لوطنه فلا تستمع إلى كلماته
بل انظر إلى قراراته
هل قدم الأكفأ أم الأقرب
هل انتصر للحق أم للعلاقة
هل فتح الأبواب للكفاءات أم أغلقها في وجه كل مختلف
فهناك يبدأ صدق الانتماء
الوطن لا ينهض حين ينتصر فريق على فريق
ولا حين يحتكر أحد الحقيقة أو القرار
الوطن ينهض حين يشعر كل مخلص أن له مكانا وكل صاحب كفاءة أن له فرصة وكل مواطن أن العدالة لا تفرق بين اسم واسم ولا بين قريب وبعيد
فإذا أردنا مستقبلا يليق بأبنائنا فلنجعل ولاءنا الأول والأخير للوطن
فالأشخاص يرحلون
والجماعات تتغير
أما الوطن فهو الباقي الذي سيحاسبنا التاريخ على ما قدمناه له لا على ما أخذناه منه

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى