مقالات

مجدي طنطاوي يكتب نصر أكتوبر.. حين يعلو اليقين على الخوف

في لحظات التخبط والتوتر والقلق، يظن الإنسان أن ما يعيشه اليوم هو أصعب ما مر به وطنه، وأن الأبواب كلها تضيق، وأن المستقبل صار مجهولًا، لكن التاريخ يذكرنا دائمًا بأن الأوطان لا تقاس بما يمر بها من لحظات ارتباك وإنما بما تفعله حين تشتد عليها المحن.
وهنا تأتي ذكرى السادس من أكتوبر لتقول للمصريين: لا تخافوا من اللحظة، فقد عشنا ما هو أشد منها.
كان المصري يومها أمام جرح مفتوح اسمه سيناء، وأمام هزيمة تركت في النفوس ألمًا عميقًا، واحتلال ظن كثيرون أنه صار واقعًا يصعب تغييره، لكن المصري لم يجعل الهزيمة قدرًا، ولم يسمح للألم بأن يتحول إلى يأس، فجمع إرادته وأعاد بناء جيشه واستعاد ثقته بنفسه، وانتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول للعالم إن مصر قد تنكسر للحظة لكنها لا تنحني.
وفي السادس من أكتوبر لم تكن المعركة مجرد عبور لقناة السويس وتحطيم لخط بارليف، وإنما كان العبور الحقيقي هو عبور المصري من الخوف إلى الثقة، ومن الانكسار إلى القدرة ومن الإحباط إلى الفعل.
وهذه هي الرسالة التي نحتاجها اليوم.
لا أحد يستطيع أن يمنح الوطن أمنًا دائمًا، ولا توجد دولة تعيش بلا أزمات، ولا إنسان يمر بحياته دون خوف وقلق، لكن الفرق بين أمة تستسلم لأوجاعها وأمة تتجاوزها، هو قدرتها على تحويل الألم إلى قوة، والقلق إلى وعي والخوف إلى عمل.
أكتوبر يعلمنا أن المستحيل ليس حقيقة، وإنما شعور قد تزرعه الهزيمة في النفوس، وأن أعظم الانتصارات تبدأ حين يقرر الإنسان ألا يصدق أن الهزيمة قدره.
ويعلمنا أيضًا أن المصري حين يلتف حول وطنه ومؤسساته وجيشه وشرطته، ويضع مصلحة مصر فوق خلافاته الصغيرة، يستطيع أن يصنع من أصعب الظروف بداية جديدة.
لقد عبر المصريون في أكتوبر وهم يحملون خلفهم سنوات من الألم وأمامهم مجهولًا لا يعرفون كيف سينتهي، لكنهم امتلكوا شيئًا أهم من معرفة المستقبل؛ امتلكوا الإيمان بقدرتهم على صناعة المستقبل.
ولهذا، فإننا حين نشعر اليوم بالقلق، علينا أن نتذكر أكتوبر لا باعتباره ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام، وإنما باعتباره حالة نفسية ووطنية تقول لنا إن الخوف لا يصنع المستقبل، وإن اليأس لا يحمي وطنًا، وإن الأزمات مهما اشتدت لا ينبغي أن تسلب الإنسان يقينه.
مصر التي عبرت قناة السويس في أكتوبر قادرة على عبور أزماتها حين يستعيد أبناؤها ثقتهم بأنفسهم، ويعرفون أن الوطن أكبر من اللحظة وأبقى من الأزمة، وأقوى من كل مشاعر الخوف.
فاهدأوا أيها المصريون.
ليس كل ما يؤلمنا نهاية، وليس كل ما يقلقنا كارثة، وليس كل ضيق مقدمة لانهيار.
لقد علمنا أكتوبر أن وراء أصعب اللحظات يمكن أن يولد أعظم الانتصارات، وأن المصري حين يؤمن بوطنه ويعمل من أجله، يستطيع أن يحول الجرح إلى درس والهزيمة إلى بداية والخوف إلى عبور جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى