عرب وعالم

من جناح للكتب إلى منصة للحوار والشراكات.. كيف صنعت «رسالة السلام» حضورًا لافتًا في معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب؟

لم تكن مشاركة مؤسسة “رسالة السلام العالمية” في الدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، مجرد حضور بجناح يعرض الكتب والإصدارات الفكرية، بل تحولت على مدار أيام المعرض إلى مساحة مفتوحة للحوار، وملتقى جمع المفكرين والباحثين والأكاديميين ورواد الثقافة، في تجربة تجاوزت مفهوم العرض التقليدي للكتاب إلى صناعة حالة ثقافية متكاملة؛ قوامها الحوار، وبناء الشراكات، والتفاعل المباشر مع الجمهور.

وأقيمت الدورة الحادية والعشرون لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب خلال الفترة من 6 إلى 20 يوليو 2026، بمشاركة واسعة من دور النشر والمؤسسات الثقافية المصرية والعربية، حيث شكل المعرض أحد أهم الأحداث الثقافية الصيفية في مصر، مستقطبًا آلاف الزوار يوميًا من مختلف الفئات العمرية.

وسط هذا الزخم الثقافي، نجح جناح مؤسسة “رسالة السلام العالمية” في أن يكون إحدى المحطات التي استوقفت جمهور المعرض، ليس فقط بما عرضه من مؤلفات للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، وإنما أيضًا عبر برنامج حافل بالندوات واللقاءات الفكرية والعروض التحليلية والحوارات المفتوحة، إضافة إلى سلسلة من اللقاءات المؤسسية التي أرست أسس تعاون جديد مع عدد من المؤسسات الثقافية والمجتمعية.

حوار مباشر مع الجمهور

اعتمدت المؤسسة خلال مشاركتها على التواصل المباشر مع زوار المعرض؛ إذ تكون وفدها من المدير العام مجدي طنطاوي، والدكتور معتز صلاح الدين رئيس مجلس الأمناء، واللواء دكتور مصطفي منيسي، واللواء أركان حرب  عبد الفتاح شنش، والباحث أحمد شعبان، والدكتور حسن حماد، والدكتور عبد الراضي رضوان، والباحث محمد مصطفى، والباحث أسامة إبراهيم.

وتنوع الحضور على مدار أيام المعرض، حيث شارك الدكتور أحمد الشريف مستشار عام المؤسسة، والباحث محمد حنفي الشنتناوي أمين الصندوق، والدكتور جرجس عوض الأمين العام، وأعضاء المؤسسة الدكتور أبو الفضل الإسناوي، والكاتب الصحفي عاطف زايد وإسماعيل عيد والدكتور سامح عباس، وحشد من المفكرين والمثقفين المنتمين للمؤسسة، وكذلك شارك ممثلو المؤسسة في الخارج: الحاج محمد الأمين مدير مكتب المؤسسة في إسبانيا والمشرف على أوروبا، والباحث حي معاوية حسن مدير المؤسسة في موريتانيا والمشرف على إفريقيا، والباحث محمد حسن مدير المكتب في كندا، والباحث بهجت العبيدي والمهندس حسام بازينة مسؤولا المؤسسة في النمسا.

ولم تكن هذه اللقاءات مجرد تعريف بالإصدارات، بل تحولت إلى نقاشات فكرية تناولت قضايا السلام والتسامح والتعايش، وتجديد الخطاب الفكري، وبناء الإنسان، وإعلاء قيمة العقل والحوار، وهو ما انعكس في حجم التفاعل الكبير الذي شهده الجناح، حيث حرص الزوار على مناقشة الأفكار المطروحة وطرح الأسئلة حول المشروع الفكري للمؤلف.

 

عروض تحليلية جذبت اهتمام الزوار

من أبرز فعاليات الجناح، العروض التحليلية التي قدمها أعضاء وفد المؤسسة لعدد من مؤلفات الشرفاء الحمادي، حيث تناول كل متحدث كتابًا مختلفًا، مقدمًا قراءة مبسطة لأبرز أفكاره ورسائله؛ فاستعرض الباحث أحمد شعبان كتاب “الزكاة.. صدقة وقرض حسن”، موضحًا رؤيته الاقتصادية والاجتماعية في تحقيق العدالة والتكافل، أما القس جرجس عوض، فقد قدم قراءة في كتاب “رسالة الإسلام.. رحمة وحرية وعدل وسلام”، مؤكدًا أن الكتاب يرسخ قيم المواطنة والحوار بين أتباع الديانات، ويبرز الصورة الإنسانية للإسلام.

في المقابل، ناقش الأستاذ عاطف زايد كتاب “الطلاق يهدد أمن المجتمع”، مستعرضًا أثر استقرار الأسرة في حماية المجتمع، بينما قدم الباحث محمد فتحي الشريف عرضًا تحليليًا لكتاب “بقيادة جمهورية مصر العربية.. معركة الأمة الأخيرة من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي”، الذي يناقش دور مصر في حماية الأمن القومي العربي، وتحولت هذه العروض إلى حلقات نقاشية مفتوحة، شارك فيها الحضور بآرائهم واستفساراتهم، في مشهد عكس تعطش جمهور المعرض للحوار الفكري المباشر.

ندوة تناقش أخطر قضايا الأسرة

شهد البرنامج الثقافي للمؤسسة تنظيم ندوة موسعة بجمعية “العروة الوثقى” بالإسكندرية لمناقشة كتاب “الطلاق يهدد أمن المجتمع”، بحضور نخبة من المثقفين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الأسر، وافتتح الإعلامي والكاتب مجدي طنطاوي الندوة، مؤكدًا أن استقرار الأسرة يمثل حجر الأساس لاستقرار المجتمع، وأن الأفكار التي يقدمها الشرفاء الحمادي تضع حلولًا عملية لمعالجة ظاهرة الطلاق من خلال الحوار والمسؤولية المشتركة.

كما قدم الباحث محمد فتحي الشريف عرضًا تناول فيه أبرز مضامين الكتاب، موضحًا أنه يقدم رؤية تستند إلى مقاصد القرآن الكريم في بناء الأسرة على الرحمة والمودة والعدل، مع طرح حلول عملية لمواجهة ارتفاع معدلات الطلاق وآثارها الاجتماعية والاقتصادية.

وشهدت الندوة نقاشًا ثريًا بين الحضور حول دور الفكر والثقافة في مواجهة التحديات الأسرية، مؤكدين أهمية إدراج هذه القضايا ضمن الفعاليات الثقافية الكبرى.

الفكر يعبر الحدود

من بين أكثر الفعاليات تميزًا؛ الحوار المفتوح الذي جمع محمد حسن، مدير مكتب مؤسسة “رسالة السلام العالمية” في كندا، بالباحث محمد فتحي الشريف، حول مشروع ترجمة مؤلفات علي محمد الشرفاء الحمادي إلى اللغات الأجنبية.

واستعرض الطرفان جهود المؤسسة في نقل المشروع الفكري إلى جمهور عالمي عبر ترجمات متعددة، بما يتيح إيصال رسائل السلام والتعايش والعدل إلى قراء من ثقافات مختلفة، مؤكدين أن المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي أصبحت منصة معرفية عالمية تتيح الوصول إلى المؤلفات بلغات متعددة.

شراكة مع مكتبة الإسكندرية

لم يقتصر حضور المؤسسة على الأنشطة الجماهيرية، بل امتد إلى بناء علاقات تعاون مع واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في العالم العربي؛ وهي مكتبة الإسكندرية، حيث شهد المعرض سلسلة من اللقاءات بين الباحث محمد فتحي الشريف والأستاذ الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، جرى خلالها إهداء مجموعة كبيرة من مؤلفات الشرفاء الحمادي، إلى جانب أحدث أعداد مجلة “العرب” بنسختيها العربية والدولية، وكتاب “التعايش.. مقاربة فكرية في مشروع علي محمد الشرفاء الحمادي”، فضلًا عن كتاب “ومضات على الطريق”.

كما منحت المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي الدكتور أحمد زايد عضويتها، في خطوة تعكس التوجه نحو تعزيز التعاون في مجال النشر الرقمي وإتاحة المعرفة. وفي السياق ذاته، أهدى محمد فتحي الشريف شهادة مشروع “بالوعي تُبنى الأمم” إلى مدير مكتبة الإسكندرية، باعتبار المشروع إحدى المبادرات الفكرية التي تستهدف نشر الوعي وترسيخ ثقافة السلام والحوار.

تعاون رقمي مرتقب

كما شهدت فعاليات المعرض لقاءً جمع محمد فتحي الشريف بالدكتور محمد سليمان، رئيس قطاع التواصل الثقافي ونائب مدير مكتبة الإسكندرية، تناول فرص التعاون بين المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي ومكتبة الإسكندرية.

وناقش الجانبان آليات تبادل الخبرات، وإتاحة المحتوى الرقمي، وتوسيع الوصول إلى المؤلفات الفكرية، بما يواكب التحول الرقمي الذي تشهده المؤسسات الثقافية، واتفقا على استمرار التنسيق خلال المرحلة المقبلة لدراسة تنفيذ عدد من المبادرات المشتركة.

خارج أسوار المعرض

امتدت أنشطة المؤسسة إلى خارج قاعات معرض الكتاب، حيث عقد وفدها لقاءً مع الدكتورة نعمة حمد الله، رئيس مجلس أمناء مؤسسة “سواقي الخير” بالإسكندرية، لبحث آفاق التعاون في مجالات التدريب والتأهيل ونشر ثقافة السلام، وضم الوفد الباحث أحمد شعبان، والقس جرجس عوض، والباحث محمد فتحي الشريف، حيث ناقش الجانبان إمكانية تنفيذ برامج تدريبية وورش عمل مشتركة تستهدف الشباب، إلى جانب مبادرات توعوية تعزز قيم الحوار والمسؤولية المجتمعية.

واتفق الطرفان على وضع إطار للتعاون خلال المرحلة المقبلة، بما يسهم في بناء الإنسان وتنمية قدراته، ويعزز دور مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.

 

حضور يتجاوز بيع الكتب

رغم أن جناح المؤسسة ضم عشرات الإصدارات الفكرية، فإن الحضور الحقيقي تجسد في طبيعة الأنشطة التي جمعت بين الندوات والحوارات واللقاءات المؤسسية والعروض التحليلية، بما جعل الجناح أقرب إلى مركز ثقافي مصغر داخل المعرض.

كما أسهمت اللقاءات المفتوحة مع الجمهور في تحويل الزائر من متلقٍّ إلى شريك في النقاش، وهو ما منح المشاركة طابعًا تفاعليًا عزز من حضور المؤسسة ورسالتها الفكرية.

رسالة تتجاوز المعرض

وبانتهاء فعاليات الدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، بدت مشاركة مؤسسة “رسالة السلام العالمية” نموذجًا لمفهوم المشاركة الثقافية الشاملة، التي لا تكتفي بعرض الكتب، وإنما تسعى إلى بناء حوار، وصناعة شراكات، وإطلاق مبادرات معرفية تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء المعرض.

وخرجت مؤسسة “رسالة السلام” من المعرض بعدد من الاتفاقات الأولية مع مؤسسات ثقافية ومجتمعية، وعززت حضور المكتبة الرقمية للشرفاء الحمادي، وقدمت عشرات اللقاءات المباشرة مع الجمهور، وأسهمت في فتح نقاشات حول قضايا الأسرة، والتعايش، والسلام، والوحدة الوطنية، وبناء الوعي.

وبذلك، لم يكن جناح مؤسسة “رسالة السلام” مجرد مساحة لعرض الإصدارات، بل منصة ثقافية متكاملة أكدت أن الكتاب لا يزال قادرًا على صناعة الحوار، وأن الفعاليات الثقافية الكبرى يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمشروعات فكرية وشراكات مجتمعية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من أيام المعرض نفسها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى