عرب وعالم

أكتوبر المجيد.. يوم انتصرت مصر على اليأس واستعادت كرامتها

بقلم: بهجت العبيدي

في السادس من أكتوبر، لا تحتفل مصر بذكرى معركة عسكرية فحسب، ولا تستعيد صفحة من صفحات التاريخ لتضعها في سجل الذكريات، وإنما تحتفل بيوم من أعظم أيامها؛ يوم أثبت فيه المصريون أن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تهزم إرادة شعب، وأن الأرض حين تكون عنوانا للكرامة والسيادة تصبح استعادتها واجبا لا يقبل التأجيل.

إنها ذكرى نصر أكتوبر المجيد؛ ذلك اليوم الذي خرجت فيه مصر من ظلال نكسة 1967 إلى فضاء النصر، وحولت الألم إلى قوة والانكسار إلى إرادة والتحدي إلى ملحمة عسكرية ووطنية ما زالت أصداؤها حاضرة في وجدان المصريين والعرب.

والحقيقة التي يجب أن نتذكرها دائما أن اليأس لم يتسلل إلى المصريين بعد النكسة.

لم يتسلل إلى جندي وقف على الجبهة، ولا إلى قائد كان يعرف أن عليه أن يعيد بناء جيش بلاده، ولا إلى شعب أدرك أن استعادة الأرض ليست مجرد هدف عسكري، وإنما قضية وطن وكرامة. ولم يكن أمام المصريين سوى طريق واحد: العمل وإعادة البناء والإعداد ثم النصر.

ومنذ اللحظة الأولى للنكسة، بدأت إرادة استعادة الأرض تتشكل في وجدان الدولة والشعب والجيش. كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يحمل مسؤولية المرحلة، وكانت القوات المسلحة تعيد بناء قدراتها، وكان الشعب المصري يقف خلف جيشه، مؤمنا بأن ما حدث ليس نهاية التاريخ، وإنما جولة قاسية ستتبعها جولات حتى استرداد الحق.

ثم جاء الرئيس الراحل أنور السادات ليقود مصر في مرحلة جديدة، وليتخذ قرار الحرب، فيأتي السادس من أكتوبر عام 1973 شاهدا على أن مصر حين تقرر الفعل فإنها قادرة على صناعة التاريخ.

وفي ذلك اليوم، عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، ورفعت العلم المصري على الضفة الشرقية، لتصل رسالة مصر إلى العالم واضحة ومدوية: سيناء مصرية، وإرادة المصريين لا تُكسر.

ولم يكن هذا الانتصار وليد لحظة واحدة، بل كان ثمرة سنوات من الصمود والاستعداد والتخطيط والتضحيات. ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر هو احتفال بكل جندي مصري حمل سلاحه، وبكل شهيد قدم حياته، وبكل أسرة تحملت ألم الفراق، وبكل مصري وقف خلف جيشه مؤمنا بأن النصر ممكن مهما بدا الطريق شاقا.

وهنا أجدني أتوقف أمام ما طرحه أستاذنا المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي مؤسس ورئيس مؤسسة رسالة السلام العالمية حول “المثلث المقدس: الشعب والجيش والشرطة”، وهي رؤية تؤكد أن قوة الدولة لا تقوم على مؤسسة واحدة، وإنما على تلاحم مكوناتها الوطنية وتكامل أدوارها في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.

ولعل أكتوبر نفسه كان واحدا من أبلغ الشواهد على قوة هذا التلاحم:

شعب يثق وجيش يحمي وشرطة تحفظ الأمن والاستقرار.

ذلك هو الثالوث الذي تستطيع به الدول أن تواجه التحديات، وأن تحمي إنجازاتها، وأن تصون حاضرها ومستقبلها.

ومن هنا، فإن فرحتنا بأكتوبر ليست مجرد فرحة بحدث تاريخي مضى، وإنما هي تجديد للثقة في قدرة المصريين على حماية وطنهم وصناعة مستقبلهم.

وهذه الثقة لا تتوقف عند حدود مصر الجغرافية؛ فالمصري أينما كان يحمل وطنه معه، ويحمل تاريخه وذاكرته وانتماءه.

ومن هنا يأتي دور المصريين في الخارج.

فأنا، كمصري أقيم خارج الوطن، أشعر أن لنا مسؤولية خاصة في هذه المناسبة؛ مسؤولية أن ننقل إلى أبنائنا وأحفادنا الذين نشأ بعضهم بعيدا عن أرض مصر قصة هذا النصر العظيم، وأن نعرّفهم بما يمثله السادس من أكتوبر في وجدان المصريين.

علينا أن نروي لهم أن أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية، وإنما كان قصة شعب رفض الهزيمة، وجيش أعاد بناء نفسه، وقيادة اتخذت قرار المواجهة، وأبطال قدموا أرواحهم حتى تستعيد مصر أرضها وكرامتها.

لقد رفع نصر أكتوبر رأس كل مصري في الداخل والخارج. وكان المصري الذي يعيش في أوروبا أو أمريكا أو أي مكان في العالم يشعر يومها بأن علم بلاده ارتفع معه، وأن عبور الجنود المصريين لقناة السويس كان عبورا لمشاعر الانكسار نفسها، واستعادة للثقة والكرامة والفخر.

واليوم، فإن واجبنا كمصريين في الخارج أن نحافظ على هذه الذاكرة حية، وأن نقدمها لأجيالنا الجديدة لا باعتبارها صفحة من الماضي فحسب، وإنما باعتبارها درسًا خالدا في الإرادة والانتماء والصمود.

أبناؤنا الذين ولدوا أو نشأوا بعيدا عن مصر ينبغي أن يعرفوا أن لهم وطنا صاحب تاريخ عظيم، وأن أكتوبر ليس مجرد تاريخ في كتاب مدرسي، وإنما جزء من الهوية المصرية التي نحملها معنا أينما ذهبنا.

وعندما نحكي لهم عن أكتوبر، فإننا لا نعلمهم التاريخ فقط؛ بل نغرس فيهم معنى الانتماء، ونعرّفهم بأبطال القوات المسلحة وشهدائها، وبالشعب المصري الذي وقف خلف جيشه، وبالإرادة التي جعلت من النكسة بداية لطريق طويل انتهى بالنصر.

كما أن تعريف الأجيال الجديدة بهذا النصر يمثل رسالة مهمة إلى المجتمعات التي نعيش بينها؛ فنحن حين نتحدث عن أكتوبر لا نتحدث عن مصر باعتبارها مجرد بلد ننتمي إليه، وإنما نقدم صورة عن شعب استطاع أن يحول الهزيمة إلى دافع، والألم إلى قوة، والتحدي إلى إنجاز.

ولذلك سيظل أكتوبر بالنسبة إلى المصريين في الخارج مناسبة للفخر بمصر، والتعريف بتاريخها، وربط الأجيال الجديدة بوطنها الأم.

فقد يستطيع المصري أن يعيش بعيدا عن وطنه، لكن الوطن لا يغادر وجدانه.

ومن هنا أقولها بكل وضوح: إن الشعب المصري يثق في جيشه، ويعرف أن القوات المسلحة المصرية ليست مؤسسة منفصلة عن الوطن، وإنما هي ابنة هذا الشعب: من أبنائه وإليه، وأن قوتها من قوة مصر، وأن التفاف المصريين حولها هو أحد ثوابت الأمن القومي المصري.

ولذلك فإن كل من يتخيل، بخيال مريض أو حسابات واهمة، أن بإمكانه العبث بأرض مصر أو الاقتراب من مقدراتها، ولو بذرة رمل واحدة، عليه أن يعيد حساباته جيدا.

فمصر تعرف كيف تحمي أرضها.

وجيش مصر يعرف واجبه.

والشعب المصري يعرف كيف يقف خلف مؤسسات دولته عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والسيادة وحماية الوطن.

ونحن نثق في جاهزية قواتنا المسلحة للتعامل مع مختلف المخاطر والتهديدات، أيًا كان مصدرها واتجاهها؛ من الشرق أو الغرب أو الجنوب. فالأمن القومي المصري لا يعرف التجزئة، ومقدرات الوطن ليست مجالًا للمساومة.

ومن مورد المياه الذي يمثل شريان الحياة للمصريين، إلى الثروات التي تختزنها أرض مصر وباطنها، مرورا بكل شبر من أرض الوطن، تبقى حماية المقدرات والثروات والسيادة الوطنية مسؤولية لا تقبل التهاون.

وفي الوقت نفسه، فإن قوة مصر لا تعني البحث عن الصدام، وإنما تعني امتلاك القدرة التي تجعل السلام أكثر قوة، والدبلوماسية أكثر فاعلية، والقرار الوطني أكثر استقلالا. فمصر دولة تعرف قيمة السلام، لكنها تعرف أيضا قيمة القوة التي تحمي السلام.

وهذه هي الرسالة التي يحملها أكتوبر إلى حاضرنا: السلام يحتاج إلى قوة، والاستقرار يحتاج إلى مؤسسات، والسيادة تحتاج إلى إرادة وطنية لا تتردد في حماية مصالحها.

إن الاحتفال بنصر أكتوبر هو أيضا احتفال بمصر التي تستطيع أن تتجاوز أصعب المحن، وبالمصري الذي لا يعرف الاستسلام، وبالجيش الذي أثبت في لحظة تاريخية فارقة أن الإعداد والعلم والانضباط والإرادة قادرة على تغيير المعادلات.

ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن النصر لم يسقط من السماء، وإنما صنعه رجال آمنوا بوطنهم، وخططوا، وتدربوا، وضحوا، وقاتلوا، واستشهد منهم من استشهد، حتى بقيت مصر وارتفع علمها على أرضها.

وفي هذه الذكرى العظيمة، أجدد دعمي الكامل للقيادة السياسية المصرية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي، وللدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة، وأؤكد ثقتي في قدرتها على حماية مصر ومقدراتها، وصون أمنها القومي، ومواجهة ما يستجد من تحديات.

لقد أثبت أكتوبر أن المصريين حين يتوحدون حول وطنهم يستطيعون صناعة المعجزات.

وأثبت أن اليأس قد يمر بمصر، لكنه لا يستقر فيها.

وأثبت أن الأرض المصرية ليست ورقة تفاوض، والكرامة الوطنية ليست شعارا، والسيادة ليست مجالا للمساومة.

ولهذا ستظل راية أكتوبر مرفوعة في وجدان المصريين، وسيظل السادس من أكتوبر يوما تتجدد فيه الثقة، ويتجدد فيه الفخر، وتتجدد فيه التحية إلى أبطال القوات المسلحة المصرية الذين صنعوا واحدة من أعظم ملاحم العسكرية المصرية والعربية.

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ أبطال قواتنا المسلحة، وحفظ رجال الشرطة، وحفظ مصر قيادة وشعبًا ومؤسسات.

تحية إلى أكتوبر…

تحية إلى الجيش المصري العظيم…

تحية إلى الشرطة المصرية…

تحية إلى الشعب المصري العظيم…

وتحية إلى كل مصري في الخارج يحمل مصر في قلبه، ويورث أبناءه حبها وتاريخها وفخرها.

وتحية إلى مصر، التي أثبتت في أكتوبر أن من يملك الإرادة يستطيع أن يصنع النصر.

عاشت مصر قوية، آمنة، مستقلة القرار، مصونة الأرض والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى