مقالات

دكتورة فينوس فؤاد تكتب.. بالسريالية والرمز.. رانية خلاف تسرد تاريخ غير شخصي للوردة

دكتورة فينوس فؤاد – نائب رئيس مركز العرب للشئون الثقافية

يقام حاليا بجاليري ملك بالإسكندرية  المعرض الفردي الثالث للفنانة والكاتبة الصحفية والمترجمة “رانية خلاف” ، تلك الفنانة المولودة في عام ١٩٦٧ ، العاشقة لحضن الطبيعة ، المتأملة في الموجودات ، الباحثة عن المشاعر والعواطف المتوارية وسط عراك الحياة ، وصخب المشاعر، عاصرت معها علي مدار ما يزيد عن عقد من الزمان رحلة بحثها الدؤوب  عن الإبداع القابع داخلها حيث تبحث دائما وتجاهد من اجل اخراجه للنور في صور متعددة ، كتابات و مقالات و ترجمات و قراءات متعمقة و حوارات ابداعية و حضور معارض مكثف وانتظام في ورش فنية لتتعلم قواعد الفن و اساسيات التلوين و تقنيات التعامل مع الخامات المختلفة لعل هذه الخبرات تكفي للتعبير عن بركان المشاعر المتصارع بداخلها ، ذلك البركان الذي وجد طريقه للتعبير بالكلمات وسط كتاباتها المتميزة و مقالاتها المتأنقة ، ذات العبارات القصيرة والمركزة في نفس الوقت فهي تبتعد عن الثرثرة في الحياة ، لتنفرد بالثرثرة مع نفسها في عالمها الخاص، لتترجم مشاعرها و مشاهدها الخاصة التي تعيد تكوينها وفقا لرؤيتها  ، فتتحول كلماتها الي رموز في عالم سريالي خيالي حالم يبتعد عن الواقع بآلامه و جفافه و خشونة مظهره فتتحول الاشكال الي الليونة في الخطوط ربما ليسهل تكيفها مع اي وضع ايا ما كان.

مسيرة الابداع :

ربما نستطيع ان نسرد تاريخ رانية خلاف طبقا لما اختارت ان تقدم به نفسها في معرضها الاول  و حمل عنوان “نحن هنا”  و فيه اشارة مباشرة لما تحلم به من اثبات الذات والتواجد في عالم الفن التشكيلي بعد حققت ذاتها في عالم الابداع الأدبي و النقدي، ذلك الحلم الذي راودها منذ طفولتها ابان تنقلها مع اسرتها خارج مصر  حيث تقول “القلم والورق يستمدان قداستهما ولطفهما من طفولتي المرتحلة  والمرتجلة عبر المطارات. ومن العزلة النسبية في مراهقتي ومن حالات الحب والسفر. كطفلة مغتربة عن العالم المادي تعلقت بالورق والألوان، كانت كل المتعة. ورق كراسة الرسم الأبيض الخفيف.  يا له من بياضٍ مقدس. يمتليء بألوان الشمع والخشب والخطوط والحركة فيصبح أكثر إغواءً. فيما بعد شكّل القلم والحروف لعبة أخرى زادتني تعلقاً وشغفاً بالورق. صار الأمر معقدا فيما بعد. ورق. حروف. لون. خطوط. يبدو وكأنه اسمي موضحا بصورة أفضل. هذه أنا. رانية. كل ما أقترب منه وكل ما يتكون بداخلي يقفز في لحظة غير محسوبة على سطح الورق الخفيف فيصنع ثقلا ما. ويبدو فيما يرى شبه النائم رسم على خفيف. رسم في تلك اللحظات ما بين النوم واليقظة ما بين المقصود و اللامقصود” فهي ارادت تلخيص شغفها بالفن برغبتها الأصيلة في التعبير عن ذاتها فقط لتمتعها ، فتستبدل حروف اسمها بالخطوط والألوان التي بدورها ستكون اشكالا تمثل عالمها الخفي الذي ارادت ان تقذف به الي النور ليتحرر معها من القيود والحواجز ليكون عالم جديد مسالم بعيد عن ضغائن الحياة، باحثة عن العذوبة.

 

ثم كان معرضها الفردي الثاني بعنوان “شبه منفصل” والذي بدأت فيه بلورة اتجاهها الفني المتوافق مع رغبتها في البحث عن السلام في عالم مشحون بالضغائن والاحقاد ، حيث ظهرت الرموز جلية واضحة في لوحات هذا المعرض، حيث نري الشوكة العملاقة التي ترمز الي الشيطان و رموز الشر و الصراعات بينما ظهرت اشكال الحيوانات في صورة محرفة عن الواقع، فنجدها عملاقة بحجم اكبر من حجم الانسان لتسيطر علي الجزء الاكبر من اللوحة لتعلن ان رفقة الحيوان اكثر امانا من رفقة البشر كما نشاهد البشر وقد تعددت المعالجات لأشكالهم ، فنجد منهم ذو الانف الطويل الذي يدسه في حياة الاخرين ، و ربما كان تعبيرا عن اسطورة “بينوكيو” الذي تزداد انفه طولا مع كل كذبه ينطق بها لسانه، كما نري في لوحاتها اشخاصا ازدحمت رؤوسهم بالأفكار المتداخلة والمتصارعة و ربما المسمومة ليستسلم في خنوع و خضوع يزيد ليبدو منفصلا عن العالم المحيط به.

 

في معرضها الحالي الذي يحمل عنوان “أنا الوردةُ/تاريخٌ غيرُ شَخصي” الذي يحتوي على ٤٤ لوحة باستخدام الوسائط المتعددة على الورق و الكانفاس لتعكس رؤيتها لطبيعة الوردة بشكل مغاير، حيث تقول “المعرض يتناول الوردة في علاقتها مع البشر كاشفة لطبيعتهم المعقدة ومتفاعلة معهم فهي غير موجودة بشكل جمالي وإنما بشكل شخصي متسائل متفرد فاعل في مشهد اللوحة”

 

السريالية الملاذ الآمن للبحث عن الذات

تبنت رانية خلاف في لوحاتها المدرسة “السريالية” التي تأسست في باريس عام 1924 على يد الشاعر الفرنسي “أندريه بريتون” عندما أصدر “مانيفستو السريالية” بهدف التعبير عن العقل الباطن و الغوص في أعماق اللاوعي والأحلام والتصورات الخيالية بعيداً عن سيطرة العقل الواعي متحررا من المنطق أو القيود الاجتماعية.

فلوحات “خلاف” نجدها محملة بتلقائية الفكر ، تعتمد كلياً على “التلقائية النفسية الخالصة” للتعبير عن ذاتها و كسر المألوف، فهي تخلط بين عناصر واقعية تماماً ولكن بوضعيات وعلاقات غير منطقية لخلق مشهد يشبه الحلم ، حيث اعتقد ان رحلة دراستها للفن تضمنت دراستها لرواد الحركة السيريالية.

 

ربما تبنت رانية خلاف في لوحاتها ايضا “الرمزية والغرابة غير المنطقية”  التي تبناها “ماكس إرنست” في لوحاته ، تلك الغرابة التي غيرت مفهوم اللوحة عبر دمج الرموز والأحلام في اشكال مرئية تعتمد على تكسير التسلسل الزمني المعتاد وتصوير الغرابة والفزع لتبدو لوحاتها مثل مشاهد أفلام الخيال وتجارب التحليل النفسي.

 

زهرة “الدراجون”

يحتوي المعرض على مجموعة من البورتريهات التي تكشف الوجه الإنساني في تكوينه وتفاصيله كوردة حيث تقول “خلّاف” أن هناك تداخلا ما بين طبيعة الوردة وطبائع البشر فهي تحمل سماتهم وتاريخهم الشخصي والجمعي فتقول : “انا الوردة الظاهرة المختارة المختبئة الحانية الصارمة المشاكسة الودودة الغاضبة، انا التي ما بين شوكتين، ما ببن عالمين، المجنونة المحبوسة المطلقة ، انا الوردة ذات الطقوس المتعددة و الثورات المتتالية.. انا العاشقة والمحبوبة والملاذ المبتدأ والآخر.. انا الَوردة من الداخل ، انا الطبقات المتهاوية.. هكذا وصفت “خلاف” ذاتها و انفعالاتها في مقدمة المطبوعة الخاصة بمعرضها الحالي بينما اصفها انا بأنها زهرة “الدراجون” تلك الزهرة ذات المذاق الحلو التي ظهرت بين الاشواك، و التي استطاعت ان تحتضن الاشواك الصغيرة بداخلها لتحيطها بالعسل والرحيق لتتحول من الجفاف المتمثل في جذوع الصبار الي الليونة و جمال التكوين والشكل في زهرة الدراجون حلوة المذاق بديعة المنظر ، هكذا استطاعت خلاف ان تسيطر علي كل طقوس الحياة و آلامها لتحولها الي جرعة لذيذة من اللوحات السريالية المنفذة بالخامات المتعددة لتصحبنا معها في عالم مختلف تتحرر فيه المخاوف لتستنشق أكسجين الحياة و الانطلاق بعيدا عن القيود.

 

مفهوم الرمز في الفن السريالي

الرمز في الفن السريالي يمثل وسيلة تشكيلية وتعبيرية للكشف عن العالم الداخلي للإنسان، حيث يتجاوز الفنان من خلاله حدود الواقع المادي إلى عالم الأحلام والخيال واللاوعي، مما يجعل العمل الفني مجالًا مفتوحًا للتأويل والتفسير، ويمنح المتلقي فرصة لاكتشاف معانٍ تتجاوز الشكل الظاهري للعمل الفني ، حيث يُعدّ الرمز من العناصر الأساسية في الفن السريالي، فيستخدمه الفنان للتعبير عن الأفكار والمشاعر والرغبات والأحلام التي يصعب التعبير عنها بصورة مباشرة أو واقعية. فالرمز لا يقتصر على معناه الظاهري، بل يحمل دلالات نفسية وفكرية عميقة ترتبط بالعقل الباطن والخيال واللاوعي ، و تعد أهم خصائص الرمز في الفن السريالي الكشف عن الرغبات والمخاوف والأفكار المكبوتة داخل النفس الإنسانية و ابراز الغموض وتعدد الدلالات حيث لا يحمل الرمز معنى واحدًا ثابتًا في جميع اللوحات بل يتيح تفسيرات و تأويلات مختلفة وفقًا لخبرة المتلقي.

 

الارتباط بالأحلام:

استمدت الفنانة رموزها من عالم الأحلام والخيالات والصور غير المنطقية و تحويل الواقع باستخدام العناصر الواقعية، و لكن في سياقات غير مألوفة لتكتسب معاني رمزية جديدة كما يعبر الرمز عن حالات نفسية وانفعالات داخلية بصورة غير مباشرة.

 

اما الالوان في لوحات رانية خلاف نجدها صاخبة في بعض المواضع و هادئة في مواضع اخري ، فاللون الأحمر يحتضن الصراع الداخلي للنفس بينما يظهر اللون البني الداكن ليعبر عن فتور الفكر في بعض البشر ؛ و الكائنات تتحول الي كائنات فضائية طوطمية اتت من عالم اخر مجهول، تظهر في كثير من الاحيان بعين واحدة ، مفككة، ممزقة ، متحورة الاطراف و كأنها خرجت للتو من عالم البحار، حيث مزجت “خلاف” حياة الأرض و صعوبتها بحياة السماء و ما تخفيه من شواهد تجول في الأحلام.

تبنت “رانية خلاف” في لوحاتها التسطيح متأثرة بالفنان المصري القديم في العديد من السمات التي تميز بها فنه ، فالرأس والاقدام تظهران بوضع جانبي ، بينما يظهر الصدر في وضع امامي، كما احتلت النباتات مكانة خاصة في لوحاتها فظهرت بصورة اساسية في معظم اللوحات ربما تأكيدا لوصفها لذاتها بأنها عاشقة النباتات التي حملت ذكريات طفولتها ولهوها مع الاشجار وسط المتنزهات فهرولت اليها في لوحاتها لتستدعي نوستالجيا الطفولة و ذكرياتها.

 

التكوين والبناء البصري :

التكوين في لوحات “خلاف” ينقسم الي عدة مستويات منا يجعل لوحاتها تمتلك شخصية بصرية واضحة، وتكشف عن تجربة تشكيلية تميل إلى التعبير السريالي الحر حيث لا ينطلق الفنان من محاكاة الواقع بقدر ما ينطلق من الخيال والذاكرة والرمز، ويعيد صياغة العالم وفق رؤيته الخاصة.

 

التكوين لديها قائم على تقسيم اللوحة إلى عدة مساحات و في بعض الاحيان مستويات ، فالحيوان يظهر بصورة مركبة ، تتداخل في تكوينه أشكال عضوية وألوان دافئة ، كما تظهر بعض الكائنات الحيوانية طويلة الرقاب والأجساد، ذات بقع صفراء على أرضية سوداء، و تتخلل بعض اللوحات وحدات زخرفية غنية بالتفاصيل ، هذا التقسيم يمنح اللوحة نوعاً من السرد البصري.

 

كما ان هناك توازن غير تقليدي بين الكتل، فاللوحات لا تعتمد على التماثل، بل على توزيع العناصر والألوان والخطوط ، كما تعد الالوان أبرز نقاط القوة في اللوحات من خلال المعالجة اللونية الجريئة ، تكرار الالوان البرتقالي والأحمر يمنحان إحساساً بالطاقة والحركة و الأصفر يؤدي دوراً مهماً في إبرازها .

 

يُحسب للفنانة قدرتها على الجمع بين الألوان الحارة والباردة دون التقيد الصارم بالقواعد الأكاديمية، بما يخدم الحالة التعبيرية للعمل. و كذلك استخدامها الخط كعنصر أساسي في بناء اللوحة، وليس مجرد وسيلة لتحديد المساحات ، كما تستخدم الفنانة حدود خارجية سميكة ومتعرجة و تواظب علي تحوير النسب التشريحية للكائنات بصورة مقصودة مع اختزال التفاصيل الواقعية لصالح التعبير الزخرفي من خلال تكرار البقع والنقاط والخطوط الصغيرة لإثراء السطح. كما تبدو الكائنات الحيوانية وكأنها تنتمي إلى عالم أسطوري أو حكاية شعبية، وهو ما يمنح اعمالها طابعاً خاصاً.

 

 الرؤية التعبيرية والرمزية :

من الممكن قراءة اللوحات الخاصة بالفنانة باعتبارها عالماً غرائبياً يجمع بين الحيوان والنبات والزخرفة ، فالحيوانات لا تبدو مجرد موضوع تشكيلي، بل تتحول إلى شخصيات تحمل قدراً من الغموض والمرح والغرابة. كما أن التباين بين الكائنات الكبيرة والكائنات الأصغر في الأسفل يخلق علاقة سردية مثيرة للتأمل، وإن كانت طبيعة هذه العلاقة مفتوحة أمام المتلقي كما تتميز لوحاتها بالجرأة في تحوير الأشكال والنسب و ثراء التفاصيل و التوظيف الجيد للتباين بين الأسود والألوان المضيئة و حضور الحس الطفولي والتلقائية دون الوقوع في فخ المباشرة و هنا يتضح مهارة الفنانة في خلق عالم تخييلي متماسك رغم غرابة مفرداته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى