مقالات

عاطف زايد يكتب : حرب أكتوبر.. حين صار الشعب كله جيشًا

لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد معركة عبر فيها الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، وإنما كانت ملحمة شعب بأكمله؛ جيشٌ يقاتل على الجبهة، وشعبٌ يقف خلفه في المدن والقرى والمستشفيات والمصانع والحقول…

وفي أكتوبر 1973، ظهر الوجه الأصيل للمصريين. كان المواطن يعرف أن المعركة ليست معركة الجندي وحده، وإنما معركته هو أيضًا. فتدفق المتبرعون إلى المستشفيات للتبرع بالدم، وواصل العمال عملهم، وتعاون المواطنون في مواجهة ظروف الحرب، وتحولت الجبهة الداخلية إلى مساحة واسعة من التضامن والصمود..

وفي قلب هذه الملحمة كانت المرأة المصرية.

حين ذهب الرجال إلى الجبهة، لم تتراجع المرأة إلى الخلف، بل تقدمت لتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية التي تركها غيابهم.

تطوعت نساء في أعمال التمريض والرعاية الطبية، وساهمن في رعاية الجرحى والمصابين، بينما دخلت أخريات ميادين العمل والإنتاج في المصانع والمؤسسات لتعويض النقص الذي خلفه ذهاب الرجال إلى الجبهة.

لم تكن المرأة تنتظر عودة زوجها أو ابنها أو أخيها من الحرب وهي عاجزة عن الفعل؛ كانت تعرف أن هناك معركة أخرى تجري في الداخل: معركة الحفاظ على استمرار الحياة والإنتاج والصمود.

كانت المرأة أمًّا وزوجة وعاملة وممرضة، وفي كل موقع كانت تؤدي دورًا في حماية المجتمع من آثار الحرب.

وفي مدن القناة، كانت الصورة أكثر قسوة.

عاش أبناء السويس والإسماعيلية وبورسعيد سنوات في ظل تهديد العدوان والقصف، واضطر كثير من سكان مدن القناة إلى النزوح إلى مناطق أخرى، تاركين بيوتهم ومدنهم تحت وطأة الحرب.

لكن النزوح لم يكن استسلامًا.

فأبناء هذه المدن ظلوا جزءًا من منظومة الصمود، وحملوا معهم مسؤولية الحفاظ على أسرهم ومجتمعهم، بينما واصلت الدولة والمجتمع توفير الإسناد اللازم للمدن والمواطنين.

وكانت الجبهة الداخلية تؤدي أدوارًا لوجستية وإسنادية متعددة، من الرعاية الطبية والإمداد والخدمات وتنظيم المساعدات، بما ساعد على استمرار القدرة على الصمود وخدمة المجهود الحربي.

لم تكن المعركة منفصلة عن المجتمع؛ كان المجتمع نفسه أحد عناصر القوة في الحرب.

الشعب الذي جعل الانضباط جزءًا من المعركة

وفي زمن الحرب، لم يكن المصري يفكر في نفسه وحده، بل كان يشعر أن سلوكه جزء من المعركة.

سادت روح التكافل والانضباط، وتقدم المواطنون للتبرع بالدم، واصطفوا إلى جانب المستشفيات، وتعاونوا في مواجهة ظروف الحرب، بينما واصل العمال والفلاحون والموظفون أداء أدوارهم رغم غياب كثير من الرجال الذين التحقوا بالقوات المسلحة.

كان المصري يعرف أن الحفاظ على النظام، ومساعدة المحتاج، والالتزام بالمسؤولية، ومساندة المجهود الوطني، كلها أشكال من أشكال المشاركة في المعركة.

ففي أكتوبر لم يكن الانتصار مسؤولية الجندي وحده؛ كان المواطن شريكًا فيه، كلٌّ من موقعه.

الجندي الذي عبر القناة لم يكن وحده في المعركة؛ خلفه أم تنتظر، وزوجة تصبر، وطبيب يعالج، وممرضة تسهر، وعامل ينتج، وفلاح يحافظ على أرضه، ومواطن يتبرع بدمه، وشعب كامل يقول لجنوده:

نحن معكم.

وهنا تتجلى عظمة الدور المدني في الحروب.

فالجبهة الداخلية ليست مجرد مساحة تقع خلف خطوط القتال؛ إنها امتداد للجبهة العسكرية. وإذا كان الجندي يحمل السلاح دفاعًا عن الوطن، فإن المواطن يحمل مسؤولية استمرار الحياة، والإنتاج، والتكافل، والصمود.

لقد أثبت أكتوبر أن تماسك المجتمع يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية في مواجهة الحرب، وأن الأمم لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بإرادة شعوبها وقدرتها على تحمل التضحيات.

ولهذا تبقى حرب أكتوبر في الذاكرة المصرية أكبر من انتصار عسكري.

إنها لحظة كشفت معدن المصريين؛ كشفت المرأة التي حملت مسؤولية البيت والعمل، والعامل الذي واصل الإنتاج، والطبيب والممرض اللذين واجها جراح الحرب، وأبناء مدن القناة الذين دفعوا ثمنًا غاليًا، والمواطن الذي وضع مصلحة الوطن فوق مصلحته.

في أكتوبر لم يعبر الجيش المصري قناة السويس وحده.. عبرت معه مصر كلها.

عبر الجندي بسلاحه،

وعبرت المرأة بصمودها،

وعبر العامل بعمله،

وعبر الطبيب والممرض بإنسانيتهما،

وعبر المواطن بانضباطه،

وعبرت الأمة كلها بإرادتها.

ذلك هو أكتوبر.. حين أصبح الوطن كله مقاتلًا، وإن لم يحمل الجميع السلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى