مقالات

مجدى طنطاوى يكتب حسن الظن وطن آخر ..

حين حطت الطائرة في مطار شارل ديجول تعلمت درسا صغيرا لكنه كبير المعنى
أن حسن الظن بالناس ينبغي أن يسبق سوء الظن بهم
كانت سيدة مسنة تجلس في المقعد المقابل لي وفجأة التفتت نحوي وقالت بصوت مرتفع
صفق معي ولنصفق جميعا لروعة وتمكن ابن بلدنا الطيار المصري
وللحق صفقت وكنت سعيدا
وحين هممنا بالخروج من الطائرة استوقفتني تحدثني عن حب الوطن وعن ضرورة أن نشجع كل مصري ونفرح بنجاحه كما يفعل الأجانب حين يساندون أبناءهم
ومن نبرة صوتها عرفت أنها الفنانة نبيلة عبيد فرحبت بها وتبادلنا كلمات قليلة ثم خرج كل منا إلى غايته
لكنها تركت خلفها سؤالا ظل يدق في رأسي
كم مرة نظرت إلى أمثالها من أبناء هذا الوطن بعين الاتهام فتصورت أنهم مجموعة منتفعة لا صدق عندهم ولا إحساس ولا وطنية وكأنني وحدي من يملك حق حب الوطن
وهنا كان العتاب لنفسي قبل غيري
عتاب لكل من اختطف الوطن ووضع نفسه حارسا على بوابة الوطنية يوزع صكوك الانتماء على من يشاء ويحجبها عمن يشاء
عتاب لمن تصور أن حب مصر امتياز طبقي أو شهرة أو منصب أو مال أو نفوذ
ولمن احتكر الوطنية حتى بدا وكأن بقية المصريين ضيوف على وطنهم
الوطن ليس شركة يملكها بعض أبنائه
ولا الوطنية بطاقة عضوية في ناد مغلق
ولا من حق أحد أن يقول أنا أحب مصر أكثر منك
مصر ملك لكل من أحبها بصدق
للعامل والبسيط والمثقف والفنان والغني والفقير ولمن يعيش في القصر ولمن يسكن في الحارة
وكل مصري له الحق أن يحب وطنه بطريقته ما دام لا يسرق حق غيره ولا يهين كرامته
ولعل المشكلة ليست دائما في هؤلاء الذين اختطفوا صورة الوطن وإنما فينا نحن حين صدقنا أن الوطنية يمكن أن تكون حكرا على فئة دون أخرى
كم نظلم الناس حين نحاكمهم بما سمعناه عنهم لا بما رأيناه منهم
وكم نخسر من الجمال حين نحول اختلافنا إلى كراهية ونحول الشك إلى يقين والاتهام إلى حكم نهائي
ليس معنى حسن الظن أن نكون ساذجين
ولكن معناه ألا نجعل الكراهية ميزاننا وأن نترك للإنسان فرصة أن يكشف عن حقيقته بنفسه
لقد صفقت يومها للطيار المصري
لكنني اكتشفت أنني كنت أصفق لدرس أكبر
أن مصر لا تحتاج أن نحبها وحدنا
بل تحتاج أن نسمح لبعضنا أن يحبها أيضا
فلنتوقف عن احتكار الوطن واحتكار الوطنية واحتقار المختلف
ولنترك لمصر أن تجمع أبناءها تحت راية واحدة
فالوطن الذي يتسع للجميع هو وطن
أما الوطن الذي يحتكره البعض ويقصي الآخرين فليس وطنا بقدر ما هو ساحة صراع على من يملك حق الكلام باسم الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى