مقالات

المشهد المغاربي.. رهانات الاستقرار السياسي ومسارات التحديث الاقتصادي

الرباط – مركز العرب

يشهد الفضاء المغاربي حراكًا ديناميكيًا متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الاستحقاقات السياسية الداخلية مع الطموحات الاقتصادية الرامية إلى صياغة نماذج تنموية أكثر مرونة واستجابة للتحديات العالمية الراهنة. وتأتي هذه التحولات في توقيت دقيق تواجه فيه المنطقة توازنات ديموغرافية ضاغطة، ومطالب شعبية متزايدة لتحسين جودة الحياة، بالتوازي مع تقلبات أسواق الطاقة والغذاء العالمية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.

وتكشف القراءة التحليلية المعمقة لأحدث التطورات في الدول المغاربية الأربع (المغرب، والجزائر، وتونس، وموريتانيا) عن أنساق متباينة في معالجة هذه التحديات؛ إذ يتأرجح المشهد بين إعادة ترتيب البيت السياسي الداخلي عبر بوابات الانتخابات والتغييرات الحكومية، وبين تسريع الخطط التنموية الهيكلية الرامية إلى استيعاب الطاقات الشبابية وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.

بينما يسير المغرب نحو حسم محطته التشريعية المقبلة في خريف 2026، مع تسجيل مؤشرات إيجابية على صعيد كبح جماح التضخم، تخوض الجزائر مرحلة ترتيب تنفيذي جديد بتعيين رئيس وزراء جديد لدفع عجلة الاقتصاد. وفي المقابل، تراهن تونس على مقاربة حوكمة تصاعدية عبر خطتها التنموية لعام 2030، مع التركيز على إدماج الشباب في القطاعات الحيوية كالسياحة البديلة، في حين تكثف موريتانيا جهودها لرفع كفاءة الحوكمة المالية وتوسيع الشراكات الدولية والاستثمارات الإسلامية لتسريع وتيرة المشاريع البنيوية.

 

المغرب.. إعادة تموضع سياسي وانفراجة في مؤشرات النقد

تتداخل في المشهد المغربي الحالي اعتبارات الانتقال القيادي داخل الائتلاف الحكومي مع ترتيبات مؤسسية تهدف إلى احتواء الضغوط الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الماكرو-اقتصادي.

يمثل تحديد يوم 23 سبتمبر 2026، موعدًا لإجراء انتخابات مجلس النواب، نقطة تحول جوهرية في المشهد السياسي المغربي. ويكتسب هذا الاستحقاق أهمية استثنائية بالنظر إلى المتغيرات القيادية التي سبقت الإعلان عنه؛ فحزب “التجمع الوطني للأحرار” -قائد الائتلاف الحكومي الحالي- دخل مرحلة تجديد تنظيمي لافت بعد إعلان رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب، وهو القرار الذي توج بانتخاب محمد شوكي رئيسًا جديدًا للحزب في المؤتمر الوطني الاستثنائي بمدينة الجديدة.

هذا التحول يحمل دلالات سياسية مباشرة بالنظر إلى المادة 47 من الدستور المغربي، والتي تنص على:

“يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”.

وبناءً عليه، فإن غياب أخنوش عن قيادة الحزب يفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة لإعادة تشكيل النخبة التنفيذية المقبلة، ويسقط فرضية الاستمرارية التلقائية لمهندس الحكومة الحالية، مما يفرض على الحزب القائد تحدي الحفاظ على مكتسباته الانتخابية لعام 2021 بقيادة جديدة.

 

معضلة المشاركة الشبابية وآليات التحفيز الرسمية

يأتي الترتيب للمحطة الانتخابية المقبلة (التي تنطلق حملتها في 10 سبتمبر وتنتهي في 22 سبتمبر 2026) في سياق اجتماعي مشحون باحتجاجات قطاعية طالبت بتجويد الخدمات العامة وتوسيع آفاق التشغيل، مع توجيه انتقادات تتعلق بتضارب المصالح. وفي محاولة لكسر حالة العزوف السياسي المزمنة لدى الفئات الشابة، اعتمدت الدولة مقاربة تحفيزية غير مسبوقة ترتكز على الشق المالي والمؤسسي:

  • الدعم المالي المباشر: التزام الدولة بتغطية 75% من مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين دون سن 35 عامًا، بسقف مالي يصل إلى 500 ألف درهم (نحو 55 ألف دولار).
  • تسهيل الترشح المستقل: إتاحة الفرصة للشباب للترشح خارج الأطر الحزبية التقليدية لتقليل الارتهان لنظام “التزكيات”.

وعلى الرغم من وجود كتلة ناخبة واعدة من الشباب الذين بلغوا سن التصويت لأول مرة تقدر بأكثر من 4 ملايين شاب (يمثلون 15 % من الكتلة الناخبة الإجمالية البالغة 16.5 مليون ناخب)، فإن مؤشرات التسجيل الفعلي تشير إلى فجوة واضحة؛ إذ لم يتجاوز عدد المسجلين الجدد 382 ألفًا، مما يعكس استمرار الفجوة بين الحوافز القانونية والمادية وبين مستوى الثقة السياسية على أرض الواقع.

 

السياسة النقدية وانحسار الضغوط التضخمية

على الصعيد الاقتصادي، أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط انفراجة ملموسة بتباطؤ معدل التضخم السنوي (مؤشر أسعار المستهلكين) إلى 1.2 % في مايو 2026 مقارنة بـ1.7 % في أبريل.

هذا التراجع يعكس نجاحًا نسبيًا في امتصاص الصدمات السعرية الخارجية والداخلية المتراكمة في قطاعات الطاقة والأغذية. ويمنح هذا الهبوط التضخمي “بنك المغرب” (المركزي) هامش مناورة أوسع في صياغة السياسة النقدية، لا سيما فيما يتعلق بمراجعة أسعار الفائدة لضمان التوازن بين كبح التضخم وتحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي.

الجزائر.. عهد حكومي جديد بأولويات جديدة

تتحرك الجزائر وفق رؤية تهدف إلى تسريع وتيرة التحول الاقتصادي وتعزيز كفاءة الأداء التنفيذي من خلال ضخ دماء جديدة في قيادة الحكومة، حيث جرى تعيين سيفي غريب وتكريس البعد التنفيذي الاقتصادي.

يمثل تعيين رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لوزير الصناعة سيفي غريب رئيسًا للوزراء (خلفًا لنذير العرباوي)، خطوة استراتيجية تعكس رغبة الرئاسة في نقل الملف الاقتصادي إلى صدارة الأولويات السياسية. فانتقال غريب من إدارة حقيبة الصناعة -التي تعد حجر الزاوية في خطة التنوع الاقتصادي الجزائري- إلى رئاسة الفريق الحكومي، يشير إلى أن المعيار الأساسي لتقييم الأداء الحكومي في المرحلة المقبلة سيكون مدى القدرة على تحقيق القيمة المضافة الصناعية وتخفيف التبعية لقطاع المحروقات.

 

التوجيهات الاستراتيجية: المواطنة والاقتصاد المحوري

تتلخص التكليفات الرئاسية الموجهة لرئيس الوزراء الجديد في مسارين متوازيين:

  • الأولوية الاجتماعية: السهر على خدمة المواطن الجزائري وتحسين الإدارة العامة والخدمات الأساسية.
  • الأولوية التنموية: الدفع بالاقتصاد الوطني لتبوؤ مراتب تليق بالجزائر كـ”دولة محورية” على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ويحمل مصطلح “الدولة المحورية” دلالات جيوسياسية هامة؛ فالجزائر تسعى لاستغلال فوائضها المالية الناتجة عن قطاع الطاقة في السنوات الأخيرة لبناء قاعدة إنتاجية صلبة، وتعزيز نفوذها الاقتصادي في العمق الأفريقي والمتوسطي عبر مشاريع البنية التحتية المشتركة وفتح خطوط تجارية جديدة، وهو ما يتطلب طاقمًا حكوميًا يتبنى مقاربة مرنة وقادرة على التشاور مع مختلف الفعاليات الاقتصادية والشركاء الاجتماعيين.

تونس.. صياغة نموذج تنموي بديل وتمكين شبابي موجّه

تمر تونس بمرحلة إعادة صياغة شاملة لركائزها الاقتصادية والاجتماعية من خلال تبني أدوات تخطيط جديدة كليًا تتوافق مع التوجهات السياسية والمؤسسية الراهنة.

  1. خطة التنمية الشاملة 2026 – 2030: القطيعة الهيكلية والنهج التصاعدي

أقرت الحكومة التونسية مشروع قانون المصادقة على خطة التنمية الجديدة 2026 – 2030، التي وُصفت بأنها “محطة وطنية حاسمة” تهدف إلى إحداث قطيعة معرفية وسياسية مع النماذج الاقتصادية السابقة التي كبّرت من حجم الاختلالات الجهوية والمؤسسية.

وتتميز هذه الخطة باعتمادها، لأول مرة في تاريخ البلاد، على منهج تصاعدي (Bottom-up)؛ حيث انطلقت صياغة المقترحات والاحتياجات التنموية من القواعد المحلية والإقليمية (المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم الكبرى)، ليتم صهرها لاحقًا في وثيقة تخطيط وطنية موحدة. ويتماشى هذا الأسلوب تمامًا مع بنية “الديمقراطية الشعبية” ومفهوم البناء القاعدي الذي أقرّه دستور عام 2022.

وتتوزع الخطة على خمسة محاور استراتيجية كبرى تلخص أولويات الدولة التونسية، وتسعى الدولة من خلال هذه المحاور إلى ترسيخ البعد الاجتماعي كخيار استراتيجي دائم، مع بناء آليات رصد وتقييم دورية (تقارير سنوية وتقييم منتصف المدة) لتكييف السياسات مع الاضطرابات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد العالمية.

حزم التمويل الموجهة وسياحة المستقبل

بالتوازي مع التخطيط الكلي، طرحت الحكومة التونسية آليات تنفيذية قطاعية تستهدف فئة الشباب عبر شراكة استراتيجية بين بنك التضامن التونسي، ووكالة التدريب في المهن السياحية، والمكتب الوطني للسياحة. وتهدف هذه المبادرة إلى ضخ تمويلات مخصصة لتطوير “السياحة البديلة والمستدامة” (الإقامات البيئية، والسياحة الثقافية، وسياحة المغامرات، والمنتجعات).

وتتضمن الخطط التشغيلية لهذا البرنامج الموجه أرقامًا ومستهدفات دقيقة:

  • تخصيص 10 ملايين دينار (نحو 3 ملايين يورو) لتمويل المشاريع متناهية الصغر.
  • توجيه 50 % من هذه الاعتمادات بشكل إلزامي إلى المناطق الداخلية لمعالجة التفاوت التنموي.
  • تمويل 50 مشروعًا نموذجيًا لخريجي الجامعات، و100 مشروع لخريجي معاهد التدريب المهني السياحي.

وتكتسب هذه الخطوات أهمية مضاعفة مع تصنيف تونس كإحدى الوجهات السياحية الأبرز لعام 2026، والتحضيرات الجارية لتتويجها رسميًا كعاصمة للسياحة العربية لعام 2027، مما يجعل الاستثمار في طاقات الشباب أداة لتنويع المنتج السياحي ورفع تنافسيته الدولية.

موريتانيا.. حوكمة التدفقات المالية وتوسيع الشراكات الائتمانية

تواجه موريتانيا تحدي تسريع وتيرة النمو من خلال إصلاح المنظومات الإدارية والمالية المرتبطة بإدارة المشاريع الكبرى المموّلة من المؤسسات الدولية.

ويمثل إطلاق ورشة العمل الفنية لعمليات المشتريات (يونيو 2026) خطوة إجرائية بالغة الأهمية لتجاوز العقبات الهيكلية التي تواجه المحفظة الاستثمارية للبلاد. وينطلق هذا التوجه من وعي الإدارة الموريتانية بأن إتقان إجراءات الشراء والالتزام بالمسؤولية الائتمانية هما الركيزتان الأساسيتان لتسريع وتيرة صرف الأموال وتقليص الفترات الزمنية لمعالجة الملفات.

ويظهر حجم التحدي والفرصة عند النظر إلى التطور الهائل في حجم التزامات البنك الأفريقي للتنمية في موريتانيا، التي قفزت خلال السنوات الثلاث الأخيرة. هذا التوسع المالي الضخم، الذي يتزامن مع مراجعة منتصف المدة لورقة الاستراتيجية الوطنية (2023 – 2028)، يتطلب بالضرورة بناء قدرات وحدات إدارة المشاريع ولجان الصفقات في الوزارات السيادية، لضمان تحويل هذه القروض والاعتمادات إلى مشاريع ملموسة تؤثر إيجابًا على ظروف عيش المواطنين.

 

الشراكة الاستراتيجية مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة (ITFC)

في سياق متصل بتنويع مصادر التمويل وتنشيط الاقتصاد الخاص، تأتي المباحثات الموريتانية مع مجموعة البنك الإسلامي للتنمية للتحضير لمنتدى رفيع المستوى في نواكشوط قبل نهاية العام الحالي. وتهدف هذه التحركات إلى تفعيل بنود إطار الشراكة الاستراتيجية الموقع في 9 مارس 2026، الذي تلتزم بموجبه المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة بتقديم تمويلات تصل قيمتها إلى مليار دولار على مدى 5 سنوات.

وتتركز الجهود الحالية على 3 مسارات تشغيلية:

  1. برنامج جسور التجارة العربية الأفريقية: تعزيز موقع موريتانيا كحلقة وصل تجارية واستراتيجية بين شمال القارة وجنوبها.
  2. تحفيز الشركات الصغيرة والمتوسطة: تسهيل نفاذ الشركات الناشئة والمتوسطة إلى آليات التمويل الإسلامي للمشاركة في التجارة العابرة للحدود.
  3. ترقية القطاع الخاص: جذب الاستثمارات المباشرة لخطوط الإنتاج المحلية بما يتوافق مع الأولويات التنموية الوطنية.

آفاق التكامل والاستجابة الإقليمية

تظهر القراءة المتقاطعة للمشهد المغاربي في منتصف عام 2026، أن المنطقة تمر بمرحلة مخاض تنموي وسياسي بامتياز. فرغم تباين الأدوات والآليات المستعملة -بين الأنماط الانتخابية والنقدية في المغرب، والتغييرات التنفيذية ذات الصبغة الصناعية في الجزائر، والحوكمة التصاعدية والتمويل الشبابي الموجه في تونس، والإصلاحات الائتمانية والتمويلية في موريتانيا- فإن القواسم المشتركة تظل مهيمنة على جوهر التحديات.

إن نجاح هذه الدول في تحقيق الاستقرار المستدام رهين بمدى قدرتها على تحويل هذه الخطط والتشريعات والمؤشرات الرقمية إلى منجزات واقعية تلمسها الفئات الشعبية والشبابية بشكل مباشر. كما أن تعزيز التنسيق البيني وتبادل الخبرات في مجالات الحوكمة المالية، ومواجهة التضخم، وإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية، يظل الممر الإلزامي لبناء فضاء مغاربي متكامل قادر على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية المعقدة.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى