عاطف زايد يكتب .. إسطنبول.. حين تلتقي الحضارات وتعلو رسالة السلام

لم تكن رحلة مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى تركيا للمشاركة في معرض الكتاب العربي مجرد رحلة ثقافية عادية، ولا كانت زيارة إلى مدينة سياحية تستقبل ملايين الزائرين؛ بل كانت تجربة إنسانية كشفت، مرة أخرى، كيف تستطيع الثقافة أن تفتح الأبواب التي تغلقها السياسة، وكيف يمكن للكتاب أن يصبح جسراً بين الشعوب والحضارات.
في إسطنبول تحديداً، تتجسد فكرة اللقاء الحضاري بصورة فريدة. مدينة تقف على ضفتي البوسفور، نصفها في آسيا ونصفها الآخر في أوروبا، لكنها في حقيقتها أكبر من الجغرافيا؛ فهي مدينة تتجاور فيها ذاكرة الإمبراطوريات، وتتنوع فيها الثقافات واللغات والأديان، وتتحول فيها الحدود بين الشرق والغرب من خطوط فاصلة إلى مساحات للتفاعل والتبادل.
وقد منح معرض اسطنبول للكتاب العربي هذا المشهد بعداً آخر؛ إذ تحولت أجنحته وقاعاته إلى مساحة للحوار بين الثقافة العربية والثقافة التركية، وبين تجارب الشعوب ورؤاها المختلفة. فالكتاب لم يكن مجرد صفحات تُعرض للبيع، وإنما كان حاضراً بوصفه وسيلة للتعارف، واكتشاف الآخر، وإعادة النظر في كثير من الصور النمطية التي صنعتها الصراعات السياسية والتوترات التاريخية.
وكان حضور الفكر العربي في إسطنبول لافتاً، بما يحمله من قضايا وأسئلة تتجاوز الحدود الوطنية. فالإنسان العربي لم يذهب إلى المعرض حاملاً ثقافته فقط، وإنما ذهب أيضاً باحثاً عن مساحة للحوار مع ثقافات أخرى، وعن إجابات جديدة لأسئلة عالم يزداد اضطراباً كلما ابتعد عن لغة العقل والسلام.
ومن هنا اكتسب حضور رسالة السلام في معرض الكتاب أهمية خاصة. فلم تكن الرسالة مجرد عنوان على جناح أو مجموعة من الكتب، وإنما كانت محاولة لطرح سؤال أكثر عمقاً: هل يستطيع الفكر أن يواجه العنف؟ وهل يمكن أن تكون العودة إلى المنهج الإلهي طريقاً للخروج من دائرة الحروب والكراهية والتطرف؟
إن رسالة السلام، كما يطرحها فكر المفكر علي الشرفاء، تنطلق من أن القرآن وضع للإنسان أسساً واضحة تقوم على الرحمة والعدل والتعارف وصون كرامة الإنسان، وأن الدين لا ينبغي أن يتحول إلى وقود للصراع أو أداة لاحتكار الحقيقة أو تبرير العنف.
فالقرآن يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. وهذه ليست دعوة إلى الانغلاق، وإنما إلى التعارف؛ وليست دعوة إلى الصدام، وإنما إلى بناء جسور الإنسانية.
ولعل إسطنبول كانت المكان الأكثر تعبيراً عن هذه الفكرة؛ مدينة تجمع قارتين، وتختصر في جغرافيتها معنى التلاقي الذي تحتاج إليه الإنسانية اليوم. ففي الوقت الذي تتحدث فيه بعض القوى عن صدام الحضارات، تقدم إسطنبول نموذجاً حياً لإمكان التعايش بين الحضارات وتداخلها وتأثير بعضها في بعض.
لقد كان معرض الكتاب العربي في إسطنبول فرصة لأن نقول للعالم إن الثقافة العربية ليست ثقافة صراع، وإن الإسلام في جوهر رسالته ليس مشروعاً للحرب، وإنما رسالة هداية ورحمة وعدل. وأن مواجهة التطرف لا تكون فقط بالإجراءات الأمنية، وإنما تبدأ من مواجهة الأفكار التي أنتجته، وإعادة بناء الوعي على أساس القرآن والعقل والإنسانية.
وهنا تكمن قوة رسالة الشرفاء: أنها لا تقدم السلام باعتباره شعاراً رومانسياً، بل باعتباره منهجاً فكرياً وأخلاقياً يمكن أن يتحول إلى مشروع لإنقاذ الإنسان من الكراهية والعنف والحروب.
لقد غادرنا إسطنبول، لكن صورة البوسفور بقيت في الذاكرة؛ ذلك الممر المائي الذي لا يفصل بين قارتين بقدر ما يصل بينهما. وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي حملتها الرحلة: أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الجدران، بل إلى مزيد من الجسور؛ لا يحتاج إلى صراع الحضارات، بل إلى حوارها؛ ولا يحتاج إلى توظيف الدين في الحروب، بل إلى استعادة جوهره الإنساني في السلام والرحمة والعدل.
ومن قلب إسطنبول، المدينة التي تصافح فيها آسيا أوروبا، ارتفع صوت رسالة السلام ليقول: إن القرآن الذي وضع أسس الرحمة والعدل قادر، إذا عاد الإنسان إلى هديه الصحيح، أن يكون جسراً لعبور العالم من زمن العنف إلى زمن السلام.
لقد أسمعنا العالم صوت رسالة الشرفاء.. والآن يبقى التحدي أن يتحول هذا الصوت إلى مشروع عالمي للوعي والسلام.



