مقالات

محمد الجكاني يكتب : الفكر القرآني درع الأوطان

في زمنٍ تتشابك فيه الأزمات، وتتسارع فيه التحولات، وتتعدد فيه مصادر التوتر والانقسام، لم تعد حماية الأوطان مسؤولية المؤسسات وحدها، ولا قضية تختزل في قوة الحدود أو صلابة القوانين، وإنما أصبحت في جوهرها قضية وعي وأخلاق وانتماء. فالوطن الذي يريد أن يحافظ على أمنه واستقراره يحتاج إلى إنسان يدرك قيمة وطنه، ويحترم أخاه، ويصون كرامة مجتمعه، ويرفض أن يكون أداة للفتنة أو الكراهية أو الهدم.
ومن هنا تكتسب الكتابات الفكرية للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي أهمية خاصة، ولا سيما مقاله الذي يطرح فيه فكرة العودة إلى القرآن الكريم بوصفها طريقا لحماية الأوطان وصيانة المجتمعات. فالمتأمل في هذا الطرح يدرك أن صاحبه لا ينظر إلى القرآن باعتباره كتابا يُتلى فحسب، وإنما باعتباره منهاجا للقيم التي إذا استقرت في وجدان الإنسان انعكست على سلوكه، وإذا تحولت إلى سلوك أسهمت في بناء مجتمع أكثر تماسكا، ووطن أكثر أمنا واستقرارا.
وتكمن قوة هذا الفكر في أنه يعيد توجيه النظر إلى أصل بالغ الأهمية: أن الأوطان لا تُهدد دائما من خارج حدودها، وإنما قد تبدأ الأخطار من داخل المجتمع نفسه، حين تضعف الثقة بين أبنائه، وتنتشر الشائعات، ويتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى انقسام. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح أكثر هشاشة أمام كل أشكال الاستقطاب والتفكيك.
وهنا يأتي الفكر القرآني الذي يدعو إليه الشرفاء الحمادي ليضع القيم في موضعها الصحيح، باعتبارها خط الدفاع الأول عن المجتمع. فالقرآن حين يدعو إلى الاجتماع ونبذ التفرق، وإلى التعاون على البر والتقوى، وإلى العدل والإحسان، وإلى صيانة الإنسان وكرامته، فإنه لا يقدم قيما مثالية بعيدة عن واقع الحياة، وإنما يضع أسسا لبناء مجتمع قادر على حماية نفسه من أسباب الانهيار.
ولعل أجمل ما في هذا الطرح أنه ينقل مفهوم العودة إلى القرآن من دائرة الشعار إلى دائرة المسؤولية. فالعودة الحقيقية هي أن يصبح القرآن حاضرا في أخلاق الإنسان ومواقفه وعلاقاته وقراراته. أن يتعلم الإنسان من قيمه كيف يكون عادلا حين يختلف، ورحيما حين يقدر، ومتسامحا حين يستطيع الانتقام، وصادقا حين يكون الكذب أسهل، ومسؤولا حين تكون الفوضى أكثر إغراء.
وعندما تتحول هذه القيم إلى ثقافة عامة، فإنها تصبح قوة حقيقية لحماية الوطن.
إن الوطن في هذا التصور رابطة من المصالح والقيم والحقوق والواجبات. ولذلك فإن المحافظة عليه تبدأ من المحافظة على الإنسان الذي يعيش فيه. فإذا صلح الإنسان في وعيه وأخلاقه، انعكس ذلك على أسرته ومجتمعه ومؤسساته، وإذا استقامت علاقات الناس على أساس الاحترام والعدل والتعاون، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
ومن هنا تبدو أهمية دعوة الشرفاء الحمادي إلى استعادة الوظيفة الحضارية للقرآن الكريم؛ فهو يحاول أن يلفت الانتباه إلى أن الرسالة القرآنية قادرة على أن تكون أساسا لبناء الإنسان، لا مادة للصراع بين الناس، وأن القيم التي يحملها القرآن يمكن أن تسهم في صناعة السلام الاجتماعي، بدلا من أن تتحول النصوص الدينية إلى أدوات للانقسام والخصومة.
وهذه رؤية تستحق التقدير؛ لأنها تضع الإصلاح في موضعه الحقيقي: الإنسان.
فلا يمكن أن نبني دولة قوية بمجتمع ضعيف الثقة بنفسه، ولا يمكن أن نحمي وطنا إذا أصبح أبناؤه أسرى للكراهية والتعصب، ولا يمكن أن نواجه التحديات الخارجية إذا كانت الجبهة الداخلية مثقلة بالانقسامات. ولذلك فإن بناء الوعي الوطني والأخلاقي ضرورة من ضرورات الأمن والاستقرار.
وتزداد أهمية هذا الكلام في عصر أصبحت فيه الكلمة تنتقل في لحظات، وأصبح الخبر الكاذب قادرا على إحداث اضطراب واسع قبل أن تتاح للناس فرصة التحقق منه. لقد تغيرت وسائل التأثير، وأصبح الهاتف في يد الإنسان قادرا على نشر معلومة أو شائعة إلى أعداد هائلة من الناس. ومن ثم أصبحت مسؤولية الإنسان عن كلمته أكبر من أي وقت مضى.
وهنا تتجلى قيمة المنهج القرآني الذي يربي الإنسان على التثبت وعدم الانسياق وراء الأخبار دون تحقق، وعلى إدراك خطورة الكلمة حين تتحول إلى وسيلة لإثارة الخوف أو الكراهية أو الفتنة. فالمجتمع الذي يعرف أفراده كيف يتحققون قبل أن يصدقوا، وكيف يتثبتون قبل أن ينشروا، وكيف يختلفون دون أن يتعادوا، هو مجتمع يمتلك مناعة داخلية تحميه من كثير من الأخطار.
إن هذه المناعة الداخلية هي، في تقديري، واحدة من أهم المعاني التي يمكن أن يحملها عنوان “الفكر القرآني درع الأوطان”.
فالدرع هنا ليس سلاحا ماديا، وإنما هو وعي يحمي، وأخلاق تمنع، وعقل يتثبت، وضمير يرفض الظلم، وقلب لا يقبل أن تتحول الخلافات إلى عداوات، وإنسان يعرف أن مصلحة وطنه لا تنفصل عن مصلحة أخيه في الوطن.
واللافت في مشروع الشرفاء الحمادي أنه لا يكتفي بالنظر إلى القرآن باعتباره مرجعا دينيا، وإنما يحاول أن يستخرج منه منظومة قيمية واجتماعية تصلح لمعالجة بعض أزمات الواقع العربي. وهذا ما يمنح كتاباته بعدا إصلاحيا واضحا، إذ إن القضية عنده ليست في مجرد الحديث عن القرآن، وإنما في السؤال الأهم: كيف نستعيد أثر القرآن في حياة الإنسان؟
وهذا السؤال جدير بأن يُطرح بعمق.
فما قيمة أن يتحدث المجتمع طويلا عن العدل إذا كان الظلم حاضرا في ممارساته؟ وما قيمة أن نتحدث عن الأخوة إذا كان الاختلاف يحول أبناء المجتمع إلى خصوم؟ وما قيمة أن نرفع شعارات السلام إذا كانت لغة الحوار مشبعة بالغضب والكراهية؟ إن جوهر الإصلاح يبدأ عندما تنتقل القيم من الكلمات إلى السلوك.
ومن هنا فإن مشروع الشرفاء الحمادي يكتسب أهميته من إصراره على إعادة الإنسان إلى مركز العملية الإصلاحية، وعلى جعل القرآن مصدرا للهداية الأخلاقية التي يحتاج إليها المجتمع في حياته اليومية.
إن الإسلام الذي يدعو إليه هذا الفكر ليس دينا للخصومة، ولا مشروعا لإقصاء الآخر، وإنما منظومة من القيم التي ترفع من شأن الإنسان وتدعو إلى العدل والرحمة والسلام والتعاون. وحين تُفهم هذه المعاني في سياقها الصحيح، يصبح الدين عاملا من عوامل جمع الناس لا تفريقهم، وبناء الأوطان لا هدمها.
وهنا ينبغي أن نقدر للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي جرأته في إعادة طرح هذه الأسئلة، وفي مواصلة البحث عن قراءة إصلاحية تجعل القرآن حاضرا في قضايا الأمة، وتتعامل مع النص القرآني باعتباره مصدرا للهداية التي ينبغي أن تنعكس على الواقع.
وقد يختلف القراء والباحثون حول بعض اجتهاداته أو طرائق استنتاجه، وهذا أمر طبيعي في كل مشروع فكري جاد؛ بل إن الاختلاف حول الأفكار دليل على أنها تفتح بابا للنقاش والتأمل. غير أن القيمة الكبرى تتمثل في أنه لا يكتفي بترديد الأفكار المألوفة، وإنما يدعو القارئ إلى إعادة النظر في علاقته بالقرآن، وفي فهمه لدور الدين في بناء الإنسان والمجتمع.
إن المفكر الحقيقي هو الذي يجعل القارئ يتوقف أمام السؤال، لا الذي يكتفي بإعطائه جوابا جاهزا. والشرفاء الحمادي، في هذا الجانب، يطرح أسئلة تستحق أن تُناقش بهدوء وموضوعية، لأن مستقبل المجتمعات لا يصنعه الصراع الفكري، وإنما يصنعه الحوار المسؤول الذي يبحث عن الحقيقة ويضع مصلحة الإنسان والوطن فوق كل اعتبار.
ولذلك فإن الدعوة إلى الفكر القرآني ليست دعوة إلى الانغلاق عن العصر، بل على العكس؛ إنها دعوة إلى امتلاك مرجعية أخلاقية تساعد الإنسان على التعامل مع العصر بوعي. فالتقدم العلمي والتقني يحتاج إلى أخلاق توجهه، والقوة السياسية تحتاج إلى عدل يضبطها، والإعلام يحتاج إلى مسؤولية تمنع التضليل، ووسائل التواصل تحتاج إلى وعي يحول دون استخدامها في نشر الفتنة.
ومن هنا يصبح القرآن، وفق هذه الرؤية، محفزا على استخدامه؛ وليس بديلا عن العمل، وإنما موجها له؛ وليس بعيدا عن قضايا المجتمع، وإنما مصدرا للقيم التي تساعد على إصلاحها.
إن الوطن يحتاج إلى الجندي الذي يحمي حدوده، وإلى المعلم الذي يبني عقول أبنائه، وإلى الطبيب الذي يحفظ صحة الناس، وإلى العامل الذي يخلص في عمله، وإلى الإعلامي الذي يتحرى الصدق، وإلى المسؤول الذي يلتزم بالعدل، وإلى المواطن الذي يحترم القانون ويحافظ على المصلحة العامة. وكل هؤلاء، في النهاية، يحتاجون إلى منظومة قيم تجعل أداءهم أكثر صدقا وإخلاصا.
وهنا تتضح العلاقة بين الفكر القرآني والوطن: الفكر القرآني لا يحمي الوطن بديلا عن مؤسساته، وإنما يحميه من خلال الإنسان الذي يشكل أساس تلك المؤسسات والمجتمع الذي تستند إليه الدولة.
إن أقوى الأوطان ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الإمكانات المادية، وإنما تلك التي تمتلك مجتمعا متماسكا، ووعيا راسخا، وثقة متبادلة، وشعورا عميقا بالمسؤولية المشتركة.
وهذا ما يجعل مشروع الشرفاء الحمادي جديرا بالقراءة والتأمل؛ لأنه يضع يده على مسألة غالبا ما تُهمَل في الحديث عن أمن الأوطان، وهي الأمن الأخلاقي والفكري.
فالأمن يبدأ من داخل الإنسان.
والوحدة تصنعها الأخلاق.
والسلام يحتاج إلى ثقافة تؤمن به.
والوطن يحميه انتماء الأبناء ووعيهم بمسؤوليتهم عنه.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كتابات علي محمد الشرفاء الحمادي بوصفها محاولة متواصلة لإعادة الاعتبار إلى البعد الأخلاقي والحضاري في الخطاب القرآني، وإلى جعل القرآن مصدرا لإصلاح الإنسان والمجتمع، لا مجرد موضوع للجدل.
إنها دعوة إلى أن نقرأ القرآن بعين تبحث عن الهداية، وبعقل يتدبر، وضميرٍ يسأل عن أثر ما نقرأه في حياتنا. فإذا كانت الآيات تدعو إلى العدل، فلنبحث عن العدل في سلوكنا؛ وإذا كانت تدعو إلى الرحمة، فلنجعل الرحمة خلقا في تعاملنا؛ وإذا كانت تحذر من الفتنة، فلنكن أول من يطفئ نارها؛ وإذا كانت تدعو إلى الاجتماع، فلنجعل اختلافنا وسيلة للتكامل لا سببا للعداء.
وعندها فقط يصبح القرآن قوة حية في المجتمع.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأوطاننا هو أن نترجم حبه إلى سلوك يومي: أن نرفض الكذب، ونحارب الفتنة، ونحترم القانون، ونحفظ حقوق الآخرين، ونصون المال العام، ونحترم الاختلاف، ونغلب المصلحة العامة على الأهواء الخاصة.
وهذه كلها معان تلتقي مع جوهر الرسالة الإصلاحية التي يواصل الشرفاء الحمادي طرحها في كتاباته.

وفي المحصلة، فإن “الفكر القرآني درع الأوطان” ليس مجرد عنوان، وإنما هو فكرة تستحق أن تتحول إلى مشروع ثقافي وتربوي واجتماعي؛ لأن الوطن الذي يتسلح أبناؤه بالوعي والأخلاق والرحمة والعدل والتعاون يكون أكثر قدرة على مواجهة الفتن، وأكثر حصانة أمام محاولات التفكيك، وأكثر استعدادا لصناعة مستقبل يليق بأجياله القادمة.
لقد أثبت المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي من خلال هذا المسار الفكري أن العودة إلى القرآن يمكن أن تكون عودة إلى الإنسان، وإلى القيم، وإلى العقل، وإلى المسؤولية، وإلى السلام. وهذه هي القيمة الحقيقية في مشروعه: أنه لا يريد للقرآن أن يبقى بعيدا عن حركة الحياة، وإنما يريده أن يستعيد دوره في بناء إنسان يعرف واجبه، ومجتمع يعرف كيف يحمي وحدته، ووطن يعرف كيف يصون أمنه واستقراره.
فإذا كانت الجيوش تحمي حدود الأوطان، فإن الأخلاق تحمي وحدتها، وإذا كانت القوانين تضبط السلوك، فإن الضمير يحمي جوهرها، وإذا كانت المؤسسات تبني الدولة، فإن الإنسان الصالح يحفظ بنيانها. ومن هنا يظل الفكر القرآني، حين يُفهم باعتباره منهجا للقيم والعدل والرحمة والسلام، واحداًد من أقوى الدروع التي يمكن أن تتحصن بها الأوطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى